نفيسة الصباغ تكتب: عن دعم التحرر واستقلال النساء


لم يكن الشيب تسلل للروح بعد وكنت أحاول جاهدة الانتماء لمجموعة منظمة تعمل على دعم النساء فقررت ذات يوم في منتصف التسعينات حضور اجتماعات احد الاتحادات النسائية المصرية لعرض تصوري الذي ارغب في المشاركة في تنفيذه وتطويره لدعم تحرر المرأة فكريا واقتصاديا على حد سواء..
اجتماعا تلو الآخر يتم تأخير المناقشة معي.. وهو ما اعتبرته طبيعيا جدا فتلك المراهقة الشابة التي كنتها غالبا لن يكون لديها الكثير سوى الحماس والطاقة وقلت لنفسي لأجلس وأستمع لأعرف التجربة عن قرب..
كانت فكرتي بالأساس تعتمد على تمكين اقتصادي بتوفير تدريبات على حرف مختلفة وفرص عمل وتسويق للمنتجات بالتوازي مع التنوير ورفع الوعي والتعريف بالمفاهيم النسوية واهمية التحرر.. فلا حرية حقيقية دون استقلال اقتصادي.. كما أن مساحة الحرية التي يختارها كل شخص ستختلف حتما من فرد لآخر ومن امرأة لأخرى.. كنت أدرك أن للحرية ثمنا لا يمكن أن يقدره سوى الشخص نفسه وبالتالي لم أدفع يوما امرأة لاتخاذ خطوة نحو مزيد من الحرية إلا إذا اتخذت هي القرار أولا..
تعجبت من الإصرار في ذلك الوقت على دفع تلك فتاة إلى خلع الحجاب بممارسة ضغوط نفسية عليها فكانت كلما ظهرت أصبحت هي محط السخرية والتعليقات السلبية على حجابها الذي يتنافى مع تحرر النساء..  لم توفر لها أي من المشاركات في الاجتماعات فرصة للحوار مع الأهل ولا وظيفة لدعمها اقتصاديا تمكنها من الاستقلال بحياتها بعيدا عن أسرتها وعن الضغوط والوصمة التي ستعانيها في محيطها الاجتماعي لاحقا. 
خلال شهر تقريبا جاءت الفتاة دون الحجاب.. كانت تخرج من بيتها بحجاب وتخلعه في الطريق ثم تعود لارتدائه عند عودتها لبيتها.. الضغوط والعنف الذي كان الأب والأم يمارسانه على الفتاة تضاعفا ولم يمكنها سوى حزم ما استطاعت من ملابس والهرب من البيت.. لم أعرف كل التفاصيل لكن لم تجد من النسويات المحيطات بها دعما كافيا –هكذا ارى اليوم بعد عقدين من التجربة- فلم توفر لها إحداهن مكانا للإقامة ولم يوفر لها أحد فرصة عمل.. علمت هذا بعدما اختفت لبضعة أسابيع ثم عادت لمرة واحدة حضرت اجتماعا لم تكمله وذهبت.. يومها أخبرت المجتمعات بأنها مهددة بالقتل من أسرتها ولم تجد عملا ولا مكانا للبيت ووصلت للعمل في أحد كازينوهات شارع الهرم.. 
كلما وجدت أصواتا تدفع فتاة لاتخاذ قرارا جذريا دون دراسة عواقبه وتوفير بدائل تحميها لاحقا أشعر بغصة كبيرة وأتذكر تلك الفتاة.. أتذكر المرار في صوتها آخر مرة رأيتها خلالها.. لم تكن قررت بعد ترك البيت ولم تكن مستعدة اقتصاديا ولا نفسيا للانفصال الكامل عن أسرتها حتى لم تكن تفكر في خلع الحجاب. كل ما كانت ترغبه هو البحث عن مجتمع أكثر انفتاحا يعترف بأنها انسان كامل ويسمح لها بالنقاش والتطور وبناء قدراتها واتخاذ قرارات مستقلة لاحقا.

ما حدث هو دفعها لاختيارات أومن أنا بها على المستوى الشخصي لكنها لم تكن اختياراتها في ذلك الوقت. وحين اتخذت القرار الأول تطورت الأمور وزاد العنف ولم يدعمها أحد ممن دفعوها لمواجهة العواقب.. تحملت وحدها النتيجة .
لا أرفض أي اختيارات أيا كانت.. وكل خطوة من أية امرأة أو فتاة نحو الحرية الشخصية اعتبرها انتصارا شخصيا لي ولقضيتي التي أؤمن بها.. كل ما يشغلني هو محاولة لإعادة القراءة في الطريقة الأفضل والأكثر أمنا نحو مزيد من الحريات. قد يرى البعض قراءتي خاطئة أو متحفظة أو غير تحررية بالقدر الكافي أو غير تحررية على الإطلاق.. لا يهم.. فكل ما أرغبه من تلك المحاولة ليس أكثر من فتح باب لمناقشات مختلفة تقودنا جميعا لتصور أفضل للتعلم من التجربة.
حين أتذكر تلك الفتاة استعيد كيف غيَر الإسلاميون شكل الزي في المجال العام بالعمل على الأرض على مدار عقود.. استمالوا مراكز القوى في المجتمع "الآباء والأمهات" فلم يخلقوا عداوات بينهم وبين الأسر وبالتالي خلقوا مؤيدين للزي الذي يريدونه في كل قرية في مصر.. لعبوا بخبث وذكاء على الوضع الاقتصادي فقدموا للنساء خدمات ثم لاحقا فرضوا شكلا للزي على من يطلبن خدماتهم.. باختصار وفروا البيئة الاجتماعية والاقتصادية الملائمة لفرض الشكل الذي يريدونه على النساء..
ما يفعله "بعض" أنصار الحرية هو العكس تماما.. يدعمون شكلا واحدا للحرية ويحتقرون أي شكل مغاير.. ولا يتضامنون في تحمل المسئولية مع الفتاة التي يدعمونها أو يدفعونها لاتخاذ خطوة ما نحو التحرر والاستقلالية أوسع مما تريد هي. فيخلقون عداوات داخل الأسر ويخيفون بعض من يرغبون في التحرر ولكن بخطوات أصغر.
اعتقد أن الهدف الأساسي يجب أن يكون خلق حاضنة اجتماعية وتوسيع دوائر المؤمنات والمؤمنين بالحريات الشخصية وحقوق المرأة وليس التدخل الفردي في حالات فردية.. وبالتالي كلما أمكن يجب تجنب الصدام العنيف مع العائلات والأسر أولا لأنه سيزيد من العنف والضغوط التي تمارس على الفتاة وثانيا لأنه سيخلق دوائر من العداء لكل ما يتعلق بالحريات والتحرر ويزيد من تعقيد طريق النضال من أجل الحقوق والحريات بشكلها الأوسع.
ما نراه من عنف ضد النساء على كل المستويات وبين كل الفئات يحمل من يرفعون راية الدفاع عن حريات النساء مسئولية كبيرة.. أنا مع الاختيارات الفردية إلى أبعد مدى لها لكن لن أدفع في اتجاه لم يختره الفرد دون مناقشة ما سيترتب عليه من ضغوط اجتماعية ومشكلات واعتداءات وعنف قد يصل في بعض الأسر إلى القتل .. ولن أدفع في اتجاه اختيار يزيد من صعوبة الحياة وعنفها لأية فتاة.. إذا اختارت سأدعمها وأدافع عنها ما استطعت وأسعى لتوفير السبل لتقليل تأثير وعنف المعركة عليها. 
أدرك أنني امرأة أربعينية الآن وبالتأكيد لن تكون قراءتي للتجربة هي نفسها قراءة مراهقات أو شابات في العشرينيات .. وأدرك أيضا أن تجربتي الشخصية التي لم أضطر فيها لخوض معركة كبيرة في محيطي الاجتماعي ساهمت في خلق تصوراتي عن الطريقة المثلى للتعامل مع الأمور.. فلم أضطر لخوض معركة مع أبي ولا زوجي لاتخاذ أي قرار شخصي ولم تطردني عائلتي أو تلفظني مهما كان حجم الخلاف معي. لا أقول مطلقا أنني الصواب ولكن فقط هي زاوية واحدة للرؤية من بين آلاف الزوايا الأخرى.. قد تكون هناك شابة في نفس الموضع وهذا لا يعني أن اختياراتها الهادئة أو الجزئية لا تستحق الدعم بل يجب دعمها كغيرها ممن قد يخترن القفزات الواسعة الكبيرة أو تضطرهن الحياة إليها.. ما أقوله هو أن يقدم الدعم لكل الراغبات في الاستقلال والحرية بغض النظر عن حجم الخطوة التي يرغبن في اتخاذها.
 

التعليقات