عزة سلطان تكتب: مطلوب حبيب لموعد في عيد الحب

 

تظهر الأسئلة كعلامات استفهام فوق رؤوس الشخصيات الكارتونية، بشكل مُضحك ونبدو نحن النساء فى حالة من البلاهة أو جزء منها حين تجتمع بعض منا ويقررنا تبادل الأحاديث، سوف تشغل النميمة وانتقاد الأخريات جزء من الوقت وسيتم ملء باقي الوقت بحكايات عن الذكور، وفي حالات الثقة بدرجة كبيرة بين المجتمعات سوف تضيق العيون وتعلو نبضات القلوب لتتحدث كل منهن عن الحبيب الحالي أو المرتقب، لا مانع من بعض الشكوي لخزي العين.

أُدرك يا ليلي أن الرجل مهم في حياة المرأة، هل تذكرين بطلة إحدي قصصي كانت تقول أن الرجل يُعيد إنعاش الروح والجسد، وقد نفهم ذلك إذا نظرنا إلي ملكة النحل وهي تخوض صراعًا من أجل اختيار ذكر ينعش المملكة لبعض الوقت، و لكنني أيضا أري أنثي الأسد وهي تعمل بدأب بينما يستريح الأسد الذكر ولا يتحرك إلا للضرورة القصوى.

الأمر نسبي بشكل كبير، هل نحن النساء بحاجة لرجل فعلًا؟ وماذا إذا كان هذا الرجل من فصيلة الكسالي والذين يلقون بكل التبعات على نسائهن، ماذا إن انحصر دوره في فعل التكاثر بغرض زيادة عدد السكان؟

ليلي

إنني أحتاج عناق يكسر حيز الوحدة ويُعلن عن قلبي أنه مازال حيًا، أحتاج لإعادة اجترار بعض الصور الذهنية عن الرجل، تلك التي أشعلتها السينما في رؤوسنا، رجل يفتح لي باب السيارة، ويجذب المقعد، رجلًا يعتني بالتفاصيل، ويصحو ليبادر بتحيتي وتمني الخير لي.

نتحدث نحن النساء عن غياب الصورة، وتصرخ فينا امرأة، لقد حصلت علي عناق فامتد ليؤذي روحها، كان يُراقصها، تشعر بكثير من الدفء فلماذا تحول في لحظة من فعل حميمي لفعل جنسي؟

كيف تتبدل الرؤي، وكيف يصير الحبيب متحرشًا؟ والزوج مغتصبًا؟

وحدها فقط من يمكنها تصنيف عناقه، والفصل بين كلماته هل تقع في حيز الغزل أم التحرش؟ لكن دعيني أتحدث إليك ماذا إن كانت هذه المرأة مشوشة، مشاعرها مرتبكة، لديها احتياجات أو نقائص يمكن أن تعلقها علي رجلها؟ أليس من الجائز أنها توهمت فعل التحرش؟

أسمعك تضحكين تظنيني أُدافع عن الرجل، والحقيقة أنا لا أُدافع عن أحد، فقط أقف إلي جوارك وأضحك، فأنا كنساء كثيرات نكترث بالغزل، نحبه، لكنه يصير عبئًا وصفاقة إن جاء من شخص غير مرغوب به؟

ربما هذه نقطة فاصلة فالرجل حين يُعجب المرأة تُصبح كلماته غزلًا بينما تصير نفس الجمل من رجل آخر تحرش.

القبول هنا بين الطرفين ينقل الأمر لمنطقة مختلفة، لكن ماذا إذا كان هذا الرجل من دائرة الأصدقاء مثلًا هو هنا يستظل بمظلة الأمان والثقة كونه صديق؟

يا ليلي

نعم هناك عناق بين الأصدقاء، فالمساندة في لحظات تستلزم فعل جسدي، يتضح بالمصافحة والأحضان، حتي وإن طال زمن الحضن يمكن أن يظل في دائرة الثقة، فإن شعرت المرأة بتغير الاحساس سندخل في صراع من نوع جديد.

الأمور مرتبكة بحق، لا تعريف واضح للتجاوز العاطفي أو الجسدي، الرجل مهم في حياة المرأة حين ترغب به، وهي مستعدة لتمرير عشرات الرسائل الحسية واعتبارها مغازلة.

هل قلت لكي أننا جميعًا لسنا أسوياء؟ نحتفظ بعشرات العقد والتجارب السيئة، بعض منا تختزن ذكري موجعة قد تُلقيها في وجه رجل، أي رجل هو بالطبع مظلوم ليس عليه أن يدفع فواتير غيره، لكننا نحن النساء أيضا نعاني ضعفًا وقلة حيلة حتي مع أكثرنا استقلالًا وقوة.

حين يؤذي رجل امرأة في مشاعرها أو جسدها فإن شكواها ترتد عليها، كثيرات ممن تم التحرش بهن مررنا بمرحلة التشهير والايذاء في السُمعة، وربما اتخذ رجلًا آخر هذه الواقعة ذريعة لفعل مشابه، على اعتبار أن تلك السيدة سبق وادعت على رجل سابق، ثم تلتصق التهمة بامرأة موجوعة.

كان عليها أن تواجهه أولًا بفعلته ربما كان لا يقصد، وربما يقصد فيدفع في اتجاه الاعتذار، وربما يُنكر، حينها يمكن أن تتسع دائرة المعرفة لما فعل.

يا ليلي

إنني أخاف من العناق، أتكلم في أول درجات الفعل الحسي، مجرد عناق يُدفئ لبعض الوقت، يهبني بعض الاهتمام، لكنني أخاف الحكايات، أخاف الاتهامات الجاهزة في مجتمع تتحمل فيه المرأة كل شيء.

لا مانع من أن يذبل الجسد، وتتحرك الروح في أفق وحيد، أمارس وحدتي في صمت، أبكي في هدوء بعد أن ينام الأولاد، أملأ رأسي بعشرات الحكايا عن نساء ينمن في أسرتهن وحيدات بينما رجل كل منهن في مكان برفقة آخرين، أحدهم يُشاهد مباراة لكرة القدم في جمع علي المقهى، وآخر مع أصدقاء يثرثرون وثالث قرر أن ينام علي الكنبة لأن أحد الأطفال يستحوذ علي مكانه في الفراش.

أنا وحيدة بفعل الاختيار  لا رجل حقيقي يتركني، ولا مكان بارد في الفراش، ولا رجل يقسو تحت دعاوي الشرع، ولا أحد يمكنه أن يؤلمني.

محفور في الذاكرة مشاهد رومانسية مصدرها الكثير من الروايات وأفلام الأبيض وأسود، أتفاعل وربما أتعايش معها، قلبي ينبض مع البطلة حين يلمس يدها حبيبها، أبتسم حين يهديها زهورًا، تتسع حدقتي حين ننتقل إلي الهدايا غالية الثمن، أسافر معهما وهو يدعوها إلي رحلة في أوروبا وحين أفيق أتذكر هذه المشاهد انتقائية، فبينما كان رجل يُقبل امرأة يحبها ويحترمها، كان آخر يطرد امرأة لأنه رأي فيها عاهرة فقط لأنه قبلها دون عقد معلوم بينهما، ورجل آخر يضرب امرأته، وثالث يهملها ونماذج أخري قررت ذاكرة الرغبة أن تتجاهلها.

تتسع ابتسامتي مع سعاد حسني فى خلي بالك من زوزو، وأعيش لحظات الخجل مع نجلاء فتحي وفاتن حمامة، وحين أتذكر صديقتنا التي صرخت بأنه تحرش بها وهو يُعانقها أرتجف رُعبًا.

يا ليلي

إنه عيد الحب ولا أعرف من ذا الذي قرر أن يخصص يومًا لتبادل القُبل، ورسم قلوبًا حمراء ربما هو صاحب متجر للزهور كان يُعاني ضائقة مادية فأراد أن يُروج لبضاعته.

أحتاج حبيبًا حقيقي، يتفهم وجعي، تلك العيون التي تلتهمني في الطرق، يمسح عن أذني ويُنسيني مئات الألفاظ التي تُضر بذاكرة اللغة عندي، أحتاج رجلًا حين يدعوني إلي مكان أعرف أنه بذل كل ما لديه حتي يختار أفضل مكان وفق ظروفه المادية، أنه يهتم بالزهور التي أحبها حتي لو كان ما يملكه هو ثمن زهرة وحيدة ستكون عندي كل حدائق هولندا.

إنه عيد الحب، ومئات الحكايات عن أشخاص استغلوا أخريات وقرروا اختراق مساحات من أجسادهن دون محبة من المرأة أو مشاركة، نعم حين ترفض المرأة المشاركة يُصبح الفعل انتهاك.

أخبريني يا ليلي كيف سيأتي عيد الحب هذا العام وكل هذه القصص عن التحرش والاغتصاب، كيف يُمكن أن يُعجبني رجل دون ان أتخيل ماض مؤلم له ربما سيتم الكشف عنه في لحظة ما.

نعم أحتاج رجلًا أسعي من خلاله لإعادة تعريف الرجولة، رجل يُشارك لا يتسلط، يُعانق ولا يتحرش، رجل يدعوني لموعد ولا يطلب المقابل في صفقة سخيفة.

أحتاج أن أصنع لنفسي عيدًا للحب، لا أن أحتفل بيوم قرر بائع زهور مفلس أن يجعله مناسبة لتنشيط تجارته.

تلمع عيني حين أبتهج وليس بالضرورة البهجة يصنعها حبيب، بات الأصدقاء مبهجين مشاركين، لكنني أعترف لك حتي الأصدقاء فى عيد الحب ينصرفون إلي حبيباتهن، وأبقي وحيدة أشاهد قصص الحب التقليدية، وأفكر في عشرات المشاهد التي أفسدت طموحاتنا فى الرجل، فجاءت صورة أسطورية كثير منها بعيد عن الرجل فى وقتنا الحالي.

ليلي

 لماذا لا نصنع عيدًا للوحدة، نصنع فيه كيك الشوكولاتة ونتبادل أرقام الهواتف ونجتر الساعات فى أحاديث عن رجال غائبين وأصدقاء هاجروا، وأطفال يحتاجون لمدرسين لتقويتهم في بعض المواد.

إنه عيد الحب للآخرين أما نحن الوحيدون فلدينا عيد الوحدة ومساءات مبهجة مع الشوكولاتة وأفلام الأبيض والأسود.

 
 
التعليقات