نادية عطية تكتب: الشعب والتبول اللا إرادي

 
وجدت نفسها فجأة يتيمة الأم ليتخلى عنها الأب ويتركها تتنقل ما بين ملجأ وأسر لا ترى فيها سوى خادمة تعمل لقاء لقمتها ومبيتها.
 
كانت يائسة جدا وهي تتحدث بخجل عن تبولها اللا إرادي في الفراش وقد تجاوزت سن الثامنة عشر ،عنفتها مديرة الملجأ وأهانوها وشهروا بها فصرخت وضربت .. ،حبست دموعي وكل ما فعلته هو أنني حاولت جعلها تتخلص من شعور الذنب والإهانة ،كان بإمكانها أن تبيع لحمها أو أن تسرق أو ..تقتل ..لكن كل ما فعلته هو أنها تتبول على واقع مر لا يمكن أن يتحمله إنسان ،لابد أن مديرة الملجأ جاهلة وحقيرة ولابد أن كل من يؤنبها لا يستطيع أن يفهم ما معنى أن تكون فقيرا يتيما جاهلا ووحيدا ..سيتعاطف المتعاطفون وسيبكي المتباكون لكنهم في النهاية سيتبرمون من تبولها وصراخها ..
 
يمعن المتذاكون والمتعالون في تحقير هذا الشعب ووصفه بأبشع الأوصاف وهم لا يدركون أن هؤلاء المشرملين المتبولين والمدوخين وجدوا أنفسهم جهلاء على مقاعد المدرسة ،فقراء وهم يقطنون في جبال ينبع ماء رقراق ،لا يستفيدون من حليب أبقارهم وهم الفلاحون الذين اختلطت رائحة عرقهم برائحة دوابهم ،سيبالغ البعض في مقارنة أخلاقهم الفظة بأخلاق أصحاب الوجوه الشقراء الباسمة ليس انتقادا من أجل الارتقاء ولكن تحقيرا. وكان جيناتنا فيها شيء يحكم علينا بأنهم همج عبيد لا يستحقون سوى الضرب على القفا. وكأني بمدعي العلم والثقافة لم يطلعوا على الادب العالمي الذي يصف حقارة اخلاق شعوب حين كان واقعها حقيرا ،لم يتعرفوا على جان فالجان الذي سرق خبزة لانه كان جائعا ولا فانتين التي باعت ابنتها ،لم يطلعوا على مقامر دوستويفسكي ومعتوهيه وفقرائه ...انهم لا يدركون أن شعبا وجد نفسه بين ليلة وضحاها ينتقل من واقع لواقع آخر ،من القبيلة وحكم الأعراف والتضامن والتآلف إلى المؤسسات (القضائية) واستعمار نهب الخيرات وأدخل ثقافة غريبة ،من نظام مقايضة بين الفلاحين والحرفيينإلى شركات تحتكر إنتاج الحليب ويصبح الكساب والفلاح عبدا لديها بعدما كان سيد إنتاجه.
 
هم لا يستطيعون أن يفهموا وهذا دورهم لو يعلمون فينصرفون إلى اتهام من يصرخ ويتبول بالقصور ،مثقفونا وسياسيونا هم الجهلاء وأما من يحاول أن يطرق جدران الخزان فكل ما يفعله أنه يحاول ألا يموت اختناقا ..وأما المفترسون الذين يرون الوطن مجرد ضيعة للاغتناء والناس عمالا او مستهلكين لبضائعهم فهم اكبر خطر على الوطن ،متاكدة انا انهم اول المقاطعين لحليب يصنعونه ويستهلكون حليبا (بيو) ينتجونه خصيصا للحفاظ على صحتهم ،هم من يقاطعون المدرسة العمومية والمستشفى العمومي وهموم العموم ،قولوا لي من فضلكم كيف لكل من تخلى عن طفلة يتيمة فقيرة وتركها تواجه مصيرها لوحدها أن يتبرم من تبولها وصراخها ....
 
 
التعليقات