محسن صالح يكتب: "تاريخ فقاعة" و جمال السرد في القصة القصيرة للدكتور أحمد الخميسي

 

نادرة هي الكتابات التي تلفت نظر القاريء وأندر منها تلك التي تترك أثرا في النفس، وشديدة الندرة تلك التي تقبع في الرأس والوجدان ولاتتركه، تعيدها ولاتلبث إلا أن تستشعر تلك النشوي التي تملأ جنبات الصدر والنفس، فتحس أنك تحلق عاليا في سماوات من المتعة الفنية التي لاتتركها إلا الأعمال المتميزة والممتازة .

تلوح لنا قصة "تاريخ فقاعة" ضمن هذه الفئة الأخيرة التي تقبع في جنبات النفس ولاتترك الخيال ولاتغادر الخاطر، إنها إحدي قصص المجموعة القصصية "رأس الديك الأحمر"والتي أبدعتها يد الفنان الدكتور أحمد الخميسي ، فجاءت كما أرادها ان تكون فسيفساء جميلة تخلب العقل و القلب معا .

تتناول القصة القصيرة حياة فقاعة أقامت الدنيا وأقعدتها في ساعات هي عمرها، حيث تجبرت و يالها من تجبر علي رجل الدولة عظيم الشأن كما سنري بل وأفسدت عليه خطابه التاريخي ثم ماتت كما تموت أي فقاعة بعد أن سطرت لنفسها تاريخا من نور .

حكاية تسلمنا إلي عالم هذه الفقاعة العجيب وهي تضغط علي معدة وأمعاء تلك الشخصية الكبيرة وتعكس لنا إصرارها رغم هشاشتها علي تغيير واقعها و تحدي من حولها بل و ترك بصماتها . إن هذه القصة التي أبدعها الرائع الدكتور أحمد الخميسي ، تدعو من طرف خفي إلي التغيير وأن نترك بصماتنا علي واقعنا مهما كان ضعفنا و مهما كانت نظرة الأخرين لنا في الزمان أو في المكان.

فهيا بنا نذهب إلي هذه القصة القصيرة، نطلع علي جنباتها في رحلة قصيرة تساوي حياة فقاعة تركت أثرا وأي أثر.

الحكاية تأتي علي لسان راو عليم ألا وهو أحد حراس موكب رجل الدولة عظيم الشأن ، يلاحظ هذا الحارس دون غيره نمو الفقاعة و بقبقتها في بطن عظيم الشأن، ويحس بأثار ذلك علي محياه وهي تفرد ساقيها في بطنه لدرجة أنها أدت إلي توقف الموكب لأول مرة لسبب صحي ،جاء الأطباء و جاءت قطرات "السيميثكون" الطاردة للغازات، التحدي الأول للفقاعة، ورغم ذلك فإن الفقاعة تماسكت" حين تحللت

القطرات مهزومة دق في قلب الفقاعة الشعور بقوة وجودها ، فأخذت تقلص المصران و ترخيه . تتواثب بداخله ، تمطه و تهمله إلي أن اطمأنت إلي تأثيرها ، فتضاعف وعيها بذاتها حدة ، وواصلت حياتها نحو لحظة مجده"ا ص 111.

ثم جاء التحدي الثاني، متمثلا في دخول رجل الدولة إلي مبني قاعة الشعب، ودخوله دورة المياه للتخلص من تلك الفقاعة و لكن دعنا ننظر إلي هذه القطعة الرائعة من السرد والتي أبدعها كاتبنا الدكتور أحمد الخميسي و هو يصف المشهد (أخذ يجرب بكل الطرق أن يتخلص من الفقاعة.

حاول ذلك بالانحناء علي معدته. بضغط الهواء لأسفل، وكانت هي تشعر بتلك الحرب، فتشبثت بجدار المعدة و هي تقول "الضغطة

التي لاتقتلني تقويني" ص 111.

نقترب من الذروة الأن في القصة و هي قمة الأحداث في كريشندو متصاعد وعال، حيث نسمع كضربات الموسيقي النحاسية التمهيدية "طال الصمت - و كنت واقفا علي مسافة من سيادته – أحست الفقاعة بسيطرتها شبه الكاملة علي البدن المنهك ، و أنه بلا حول ولا قوة ، مجرد بدن مرتجف داخل بذلة من قماش لامع" ص 112.

 

هنا نقترب من الحدث الجلل ، حيث نجد الفقاعة قد سادت و تجبرت علي الموقف "أدركت الفقاعة من الأضواء و الصيحات الحماسية أن ظرفا خاصا جدا تهيأ لها لترتبط بحدث تاريخي عظيم . الغرور أدار رأسها و نشوة السلطة ،فأخذت تقبض علي معدة عظيم الشأن و ترخيها ، و هو يتلوي ، و عندما صار الجسد الواقف واقعا تماما في قبضتها أيقنت أنها أصبحت عقلا لبدن لم يعد سوي تجسيد لوجودها العابر" ص 112.

الأن نحن مع ذروة الأحداث حيث "أخذت الفقاعة تخرج من فم المسئول في شكل كلمات و جمل غير مترابطة ...... فبدلا من أن يقول محو أمية الجميع ، قال محو الجميع بالأمية و هكذا إلي أن اختتم خطابه بقوله نعادي من يسالمنا ، و نسالم من يعادينا" ص 113.

لقد أدت الفقاعة دورها و سيطرت علي الموقف تماما و نجد هنا تعليق الراوي العليم و هو أحد الحراس يقول "فإن الفقاعة التي بددت نفسها تحت أضواء المجد لم تستشعر الأسف علي عمرها الذي أضاعته في لحظة. لقد انتهت بخروجها ، هذا صحيح ، و لكن من في تاريخ الفقاعات نال ذلك المجد كله" ص 113.

وتختتم القصة بالتحقيق الذي تم و لكن الراوي /الحارس يختم القصة حكيت له ماكان ظاهرا و مرئيا للجميع ، لكنني أخفيت في أبعد نقطة من أعماقي ما أبصرته وحدي ، لأنني أعلم منذ طفولتي أن الناس لايصدقون الحقيقة" ص 113.

تنتهي القصة القصيرة ولاينتهي الإحساس بجمال السرد وتضافر عناصره المختلفة من حدث وشخصيات وصراع وتطور للصراع حتي الذروة ثم تداعي الأحداث تدريجيا حتي خاتمة القصة الرائعة والتي تضعنا في تساؤل دائم عن كيف أجاد كاتب هذا العمل المتمكن وأبدع في رسم عدة مشاهد متتابعة نقلت لنا في هذه القصة القصيرة العديد من المعاني لعل أبسطها هو ضعف الإنسان و أعلاها الإصرار علي تحقيق الهدف

وتحقيق الذات، فتحية للمبدع الدكتور أحمد الخميسي علي هذه القصة الجميلة الرائعة.

 
 
التعليقات