جوليا ميلاد تكتب: الجحيم المصري بين شذوذ العقل والاستعباط السياسي ووصاية المتثاقفين

 

‎المنطوق الفلسفي للحياة، هو أن الفكر وليد المجتمع اﻹنساني. ومن المعلوم أن لكل مجتمع طلاسم وطقوس ومعالم تقوم على مبدأ فلسفة الفكر. ‎وبما أن اﻹنسان يستنبط قوانينه من خلال التجارب والخبرات السابقة، ومن خلال ما يستجد من تطورات وأحداث خاصة بالفترة التي يعيشها وليس استنادا إلى ما كانت تعيشه المجتمعات الأخرى، في ظل ظروف وقوانين وأفكار أخرى، من آلاف السنين، يكون الفكر أحد تطورات العقل البشري. علما بأن الإنسان – الفرد لا يستطيع أن يحدد قوانين دقيقة مستقبلية لقرون قادمة، ﻷنه في اﻷساس لا يعلم شكل ونوع التطور الذي سيحدث للإنسان أو للمجتمع ككل. إن الإنسان "الطبيعي" يحاول أن يفكر ويجتهد لكي يجعل حياته سهلة وثرية بعيدا عن التناقضات العدوانية والعنف والدم والتدخل في خصوصيات الآخرين وإجبارهم أو وصمهم بـ "العار" لا لشئ إلا لأنهم يختلفون معه في هذه الفكرة أو تلك، أو في هذا السلوك أو ذاك.
عندما نلاحظ في مجتمعنا عدم تقبل آراء البعض، وعدم تقبل المتغيرات والمتطلبات وعدم تقبل أدق تفاصيل حياة الآخر، كالحياة الجنسية وغيرها، والانعطاف نحو الجهل واﻷمية والإصرار على رؤية الأمور من منظور ضيق وأحادي وأناني، فكل هذا وغيره يدل ويؤكد على انفصام شخصية هذا القطاع من الناس الذين يعيشون في هذا المجتمع. ‎والانفصام هنا، ماهو إلا شكل من أشكال الشذوذ الفكري الذي بدأ يظهر ‎بعد الثورة. فالجميع طالب بالحرية والديمقراطية، والجميع سخر من النظام البائد الذي كان يرى دائما أننا غير مؤهلين للديمقراطية. وسرعان ما بدأ الجميع يرتطم بأفكاره العتيقة والعقيمة: فمن نادوا بفصل الدين عن الدولة، اشتاطت صفحات تواصلهم الاجتماعي عندما أقرت تونس حق المرأة في اختيار زوجها، وعادوا هم أنفسهم (من طالبوا بعدم ربط الدين بالدولة) إلى محاسبه الناس، ومناقشة ما هي النار والجنة، وماذا قال الله في هذا الموضوع أو ذاك! بدأوا ببساطة يمسكون بعصا الدين، والتهديد والوعيد، ومنح صكوك الغفران. بل وبدأ البعض منهم يطالب نفس الدولة، التي يهاجمها هو وينتقدها، بقتل وإعدام من يختلفون عنه في حياتهم الجنسية. والأخطر أن الدعوات كانت موجهة أيضا إلى الناس (الأسوياء من وجهة نظر هذا البعض) بقتل وإعدام المختلفين!
عندما تحاول أن تقف لحظة عند الانفصام الفكري لهذا البعض أو ذاك، وتضعه أمام المرآة ليرى نفسه متمسكا بالحرية في التعبير عن رأيه دون أن يسمح لأحد بمناقشته، ومصمما على أن ذلك هو حريته وحقه في التعبير، وعلى أن هذه هي رؤيته لمن سيدخل النار ومن سيدخل الجنة، تكتشف أن الفصام وصل إلى مرحلة الشذوذ العقلي والنفسي، لأن لا يدري، ولا يريد أن يدري، أن هناك بعضا آخر يرى أنه صاحب قراره في مسألة دخول الجنة ودخول النار، بل وفي اختيار العقيدة وممارسة طقوسها أو عدم اختيار أي عقيدة، ولكن مرضى الفصام يحاول حرمان هذا البعض الآخر من حريته واختياره وقراره، ولو حتى بدخول النار. إننا بالفعل، أمام مأساة عقلية ونفسية، قبل أن تكون مأساة فكرية، لأننا نرى نفس هؤلاء المتمسكين بحرية رأيهم، لا حرية رأي الآخرين، وهم يلجأون إلى الدين في تفسير الأمور وجانب من الحريات، ويستخدمون الحجج الدينية والتقريع الديني ضد ما لا يعجبهم، وضد من لا يعجبهم، ويتعاملون مع الحرية بالتجزئ: من منظور أخلاقي تارة، ومن منظور ديني تارة أخرى، ومن منظور تحالفات سياسية تارة ثالثة، لكن لا وجود للحرية كمعنى معرفي وجوهر وغاية.
استوقفني كثيرا من يدَّعون أنهم علي علم ودراية، وينشرون كتاباتهم وتعليقاتهم وإعجابهم علي صفحات المثقفين، وهم مقتنعون أن "المثلية"، على سبيل المثال، تقليد أعمي، مع أنه من السهل البحث عنها في دقائق للتأكد من أنها ليست بدعة، وأن معظم المثليين خُلِقوا هكذا. ولكن الغريب والخطير، أن هؤلاء "المثقفين" بدأوا بتحريض الدولة ضد المثليين! نعم، بدأوا بتحريض نفس الدولة التي ينتقدونها ليلا ونهارا علي صفحاتهم ضد قطاع من البشر لم يسببوا لهم أي ضرر أو يعتدوا على أرزاقهم أو حرياتهم! بل ووصلت الأمور إلى أن قطاع من "المتثاقفين" بدأ يستعين بأدعية غليظة، ويدعو الله لأن "يبلي" أبناء وبنات من يوافق على الشذوذ، وأن يجعلهم "شاذين"، وكأنه يمارس ابتزازا دينيا وأخلاقيا على البشر، ويحاول بشتى الطرق إرغامهم على قبول مشاعره هو، وأحاسيسه هو، وفهمه هو، لأمور يتعفف عن التعامل معها بشكل علمي، ولحياة بشر لم يتعرَّضوا له أو يسببوا له أي أذى في رزقه أو في حريته.
إن توصيف (شذوذ الفكر)، هو أبسط ما يمكن أن يقال علي هؤلاء، لأننا في الوقت نفسه نراهم ينطلقون "بضمير حي" ليدافعوا بحماس وحرارة عن حرية التعبير، عندما تم الإعلان عن الحكم ضد المحامي الحقوقي خالد علي بالحبس ثلاثة أشهر بتهمة باطلة وهى الفعل الخادش للحياء العام، وكأن الحرية لها أكثر من معيار!
 

التعليقات