وائل الطوخى يكتب: ميتسو أسطورة التيرانجا وعاشق شيكابالا الذى هزمه السرطان

امتلك كاريزما استثنائية بعيداً عن مظهره اللافت وشعره المتموج الطويل ونظراته الحادة، لكنها نبعت من ثقته بقدراته وإيمانه بتحقيق أهدافه وإن طال وقتها، فشخصيته القيادية وبراعته في قراءة طبائع من حوله أتاحت له النجاح في مهنته حتى لقبه المقربون بـ"الأسد"، بجانب أنها منحته فيضاً من الحب لا يتمتع به إلا الأساطير، كما أكسبته الاحترام الدائم في عيون خصومه.

كان تاريخ 28 يناير عام  1954 شاهداً على مولد برونو لوكا فيليكس ميتسو أحد أساطير التدريب في عالم كرة القدم، والذى نجح في تسجيل اسمه بين عمالقة اللعبة من بوابة التدريب، بعدما فارقه الحظ كلاعب متوسط المستوى.

نشأ ميتسو بمدينة "دونكريك" الفرنسية  بعد انتهاء الحرب. وقضى سنوات عمله الأولى في صغره ساعيًا للبريد يتنقل بين أرجاء فرنسا توصيلاً للرسائل وبحثاً عن أصحاب الطرود، حتى التحق بتدريبات فرق الهواة، حيث لعب كوسط ميدان هجومي، تدرج بين صفوف تلك الأندية الفرنسية بعد تجربة لم تشهد نجاحًا كبيرًا مع أندرلخت البلجيكي، حيث عاد ليلعب لـ7 فرق أهمها نيس، وليل.

كان ميتسو لاعبًا عاديا، فإحصائياته توضح تسجيل ثلاثة أهداف فقط في قرابة الـ60 مباراة مع ليل، كما لا تشهد له الملاعب بأي إنجازات سوى قيادته لنادي بوفاي، للصعود للدرجة الثانية، مما دفعه للاعتزال بعد أن عرض عليه النادي تدريب فريق الشباب ثم الفريق الأول.

 لم يحتج ميتسو أن يحظى بمسيرة رائعة كلاعب، لكى يثبت تفوقه كمدرب فقد نجح في قيادة "بوفاي" لمرحلة زاهية شهدت منافسة النادي على كؤوس الشباب، بجانب وصوله لربع نهائي الكأس الفرنسية ليبدء انتشار صيته بالمجال التدريبي هناك.

مشكلات ميتسو مع إدارة "ليل" وأزماته مع لاعبى "فالينسيان"- خاصة بعد اعترافهم بالتراخي وتفويت أحد مبارياتهم أمام مارسيليا- أعاقت مسيرته التدريبية بفرنسا لكن القرار لم يكن صعب بالمغادرة إلى القارة السمراء وبدء مشروع جديد.

محطة الفرنسي الإفريقية الأولى كانت منتخب غينيا الذي تولى قيادته عام 2000 بعقد متواضع وظروف تدريبية صعبة، التي صاحبت شكواه المستمرة من سوء الإمكانيات وضعف البنية التحتية والخدمات الإدارية، لذلك لم يكن غريباً أن يرحب بالتعاقد مع منتخب السنغال بعد إقصائه من ربع نهائي كأس أمم إفريقيا على يد نيجيريا في ظل إمكانيات أفضل .

لم تمثل اتهامات الاتحاد السنغالي للاعبين بالتراخي وبعدم الرغبة في تمثيل منتخب الأسود، خصوصًا بعد الإخفاقات المتتالية، عقبة أمام "ميتسو" مع براعته بقراءة طبائع اللاعبين وتحديد طرق التعامل النفسي معهم.

نجح الفرنسي  بعد عامين فقط من العمل وتحققت النتائج بكأس أمم 2002، عندما تمكن الأسود من تجاوز نيجيريا بنصف نهائي البطولة، والوقوف في النهائي أمام أحد عمالقة القارة كالكاميرون، في مباراة ماراثونية خسرها رفاق "الحاج ضيوف" بضربات الحظ الترجيحية.

الثقة أساس العلاقة لنجاح العمل الجماعى، فقد وثق "ميتسو" بإمكانيات لاعبيه التي ستتطور من خلال التنظيم والجماعية، وأرادهم أن يثقوا بوجوده من أجلهم، جاء ليساعدهم للظهور بشكل أقوى وللانتقال لأندية أفضل، ومن أجل تحقيق إنجاز لبلادهم وليس مجدًا شخصيًا.

إسقاط أسود التيرانجا لفرنسا بشكل مروّع بافتتاحية مونديال 2002، كان تأكيداً على توهج نجومية "ميتسو" التدريبية، فقد دخل الفرنسيون المباراة وهم أبطال العالم وتنتشر أغلب عناصره بأكبر أندية العالم، في مواجهة منتخب إفريقي صغير يشارك للمرة الأولى بتاريخه في المونديال.

الرجل الأبيض-كما أسموه السنغاليون- قاد فريقهم للتعادل أمام الدنمارك، ثم أضاعوا فرصة للحفاظ على الفوز بمواجهة الأوروجواي، ليحجزوا مقعدهم بدور الـ"ستة عشر" على حساب فرنسا والأورجواى، واستكملوا مفاجآتهم بإقصاء السويد والتأهل لدور الـ"ثمانية"حتى أنهى الأتراك –ثالث البطولة- مغامرتهم بهدف ذهبي بالوقت الاضافى .

 الاستقبال التاريخي للبعثة السنغالية بمطار العاصمة "داكار"، بسيارة مكشوفة تطوف البلاد وسط احتفالات الجمهور الصاخبة، الذي خرج يعبر عن فخره بمغامرة كوريا واليابان، رغم ظروف بلاده القاسية أكدت أسطورة ميتسو التدريبية.

بعدها قرر "ميتسو" الانتقال لخوض تجربة جديدة، بعدما انهالت عليه العروض التدريبية العالمية، لكنه فضًل قيادة نادى العين الإماراتي عام 2002، حيث حظى بحب واحترام لامثيل له بين الإدارة ولاعبيه وجماهيره، بعد فوزه بالدوري لعامين متتاليين، فضلا عن إنجازه الأكبر في فوزه بدوري أبطال آسيا موسم 2002-2003 للمرة الأولى بتاريخ الأندية الإماراتية.

انتقل "ميتسو" لنادي الغرافة القطري عام 2004 ليحدث طفرة في مستواه الفنى نجح خلالها فى اضافه شخصية قوية للفريق وأكسب لاعبيه الخبرات الكافية التي مكنتهم من تحقيق الدوري بموسمه الأول، ليرحل بعدها للاتحاد السعودي، ثم عودة مجددة للإمارات، لكن تلك المرة لقيادة منتخبها الوطني وكانت من العلامات المؤثرة في مسيرته والتي استكملها، بقيادة الأبيض للفوز بكأس الخليج عام 2007.

رحلة الفرنسي بدول الخليج، كانت شديدة التأثير والتأثر خاصة بعد إشهار إسلامه وتغيير اسمه لـ"عبد الكريم ميتسو" من جهته إضافة إلى ترك بصمة ظاهرة بمختلف الفرق التي تولى مسئوليتها والارتقاء بمستواها فنياً ونال ثقة إدراتها ومحبة جماهيرها وذكريات لاعبيها .

آزره جمهور الساحرة المستديرة من مختلف أنحاء العالم عندما باغته السرطان عام 2011، في مسيرته مع نادي الوصل وكان تضامن المصريين مع "ميتسو" حاضراً في احتفال "شيكابالا " أباتشى الكرة العالمية، بهدفه في مباراة الظفرة ليجري حول صورة كبيرة معلقة للفرنسي بالملعب ليقبلها، في لفتة إنسانية مع المدرب الذي ارتبط معه بعلاقة فريدة من نوعها، حيث كان عاشقاً لشيكابالا ودائم القول "إنه بحاجة لتعامل خاص يلائمه".

تجربة الفرنسي الثرية كان لها أن تنتهي بالخامس عشر من أكتوبر عام 2013 بعد أن خسر مباراة الحياة الشرسة أمام السرطان والتي ظلت طيلة عامين، تجربة نال خلالها محبة لاعبي وجمهور الفرق والمنتخبات التي تولى تدريبها تاركًا بصمة بنفوس الناس في العالم.

التعليقات