رباب كمال تكتب: إعلام الصعود إلى الهاوية!

 

جاءتني دعوة من وزارة الخارجية في اليونان موقعة من رئيس خارجية اليونان شخصيا السيد نيكولاس كوتزياس، إنها دعوة رسمية للحضور في مؤتمر دولي عن مناهضة الارهاب والتعايش، الدعوة جاءتني بسبب نشاطي وكتاباتي في الأعوام الماضية التي تتعلق بخطاب التسامح و التعايش و نبذ التطرف، وقد شاركت في فعاليات كثيرة في هذا الأمر داخل أو خارج مصر لكن على المستوى الثقافي وليس الدولي الرسمي. وهكذا نخاطب الداخل باللغة العربية ونخاطب العالم باللغات الأجنبية وهذا حال من يسعى لترك نقطة مضيئة في وسط لوحة قاتمة.  

بدلا من أن  أشعر بأن هذا يدعو للتفرد والغرور، أخذت الورق إلى مقر  عملي، وتطوعت بتمثيل محطتي الإذاعية ( البرنامج الأوروبي ) بل وعمل تغطية إعلامية لن تكلف الاذاعة فلسًا واحدًا في مؤتمر دولى كبير كهذا، ويعد هذا في إطار ما يمكن أن تصنعه الكوادر لإذاعتها.

وهذا ُيعد امتدادًا لعملنا كإذاعيين ندرك الدور ليس "الإعلاني" الذي يريدون اختزالنا فيه وإنما الدور الذي يمكن لكوارد إذاعية أن تصنعه بمجهوداتها.

أخذت الورق إلى المسئولين في البرنامج الأوروبي وقررنا أن نعد العدة بما فيه مصلحة العمل، وكتبنا سويًا مع مجموعة من الزملاء كيف يمكن استثمار الدعوة وفتح آفاق إعلامية دولية لنا نقوم فيه بدورنا في محاربة التطرف، تم كتابة الخطاب وأنهيناه بـ: "وهذا تشريف للإعلام الوطني" فاتفقت مع فريق العمل.

في الحقيقة أنا  كنت  أكذب، الدعوة كانت شخصية وحولتها إلى دعوة رسمية، ولا تشريف فيها للإعلام الوطني، بل كنا نسعى لخلق آفاق جديدة كما نفعل منذ سنوات، فأنا أعاني مثل غيري من البيروقراطية التي لم نصنعها وإنما من صنعها صاحب القرار الواحد تلو الآخر. 

اليوم علمت أنهم سيقللون عدد ساعات البث للنصف في إذاعة البرنامج الأوروبي، و لأن من يشاهد الموقف من بعيد سيثني على القرار بدلا من أن يعي التوجهات الأمنية التي تحكم الإعلام.. فنقول لهم "كل ٌ له دوره، و الثناء على قرارات غير مدروسة تطال غيرك لن تعفيك من المذبحة القادمة".

غالبًا هذا القرار لن يؤثر بشكل شخصي كبير عليّ، أي ليس لديّ أنا وغيري ما نخسره، لربما ضحاياه هم المذيعين المتعاملين بالقطعة الإنتاجية، ولكن الضحية الأكبر هو إذاعة البرنامج الأوروبي والإعلام الوطني الذي بات في خطة الصعود إلى الهاوية.
ولربما كل ما يجب عليّ فعله هو الإمساك بالدفوف وتضبيط إيقاع يدى على الرق، لأخرق نغمات تتناسب مع نيل مكتسبات شخصية، لكن رغمًا عن ذلك لن أحمل الطبل، الطبل  يحتاج أن ندقها على رؤوس من لا يعي أن التطوير لمحطة إذاعية بدأت البث عام 1934 لا يكمن في القص واللزق.

هل أعترف أنني  لست حزينة بهذا القرار والقرار الذي سيأتي من بعده حتى يعي الناس أن الوطنية وصنع إعلام وطني حقيقي يمارس دوره دون ابتذال ونفاق لا علاقة لها بالطبلة وكذلك لا وجود له على الخارطة!! 

ولا عزاء للإعلام الوطني، فهل نقلل من ساعات برنامج يستطيع أن يقوم بدور وطني إقليمي من أجل فقرات إعلانية نسأل الناس فيها عن لونكم المفضل ويومكم الأسبوعي المفضل وأغنيتكم المفضلة؟.. إن مشكلة الإعلام الوطني ليست الموظفين العاملين فيه فحسب وإنما الموظفين المسؤولين عنه.

يبدو أنني سأمثل نفسي في المؤتمر الدولي

دمتم بخير

 

 

التعليقات