هشام فتحي يكتب: شعر المرأة الذي يهيج إذاعة القرآن الكريم

  تحتفل إذاعة القرآن الكريم من القاهرة بذكرى المولد النبوي الشريف وذلك بدعوة الأسرة المسلمة إلزام بناتها ونسائها ب (الحجاب). لن أناقش صحة استخدام اللفظة للدلالة على زي المرأة في الإسلام، فلقد ناقشنا الموضوع من قبل، إذ أن لفظة الحجاب لم ترد لافي القرآن ولافي السنة لوصف زي المرأة. وعلى الرغم من أنني لست متخصصا في فقه السنة، إلا أن موضوعات هذا (العلم) باتت متاحة على الشبكة الدولية للمعلومات بمنتهى السهولة، يغرف منها الأريب الفاهم مادام متمتعا بقدر محترم من علوم اللغة وأبجديات المنطق.                                                                 

يلزمنا الموضوع إلزاما باستخدام المقترب الفقهي وذلك للمرة الألف لحسم المسألة ، وإنه لمن العجيب أن إذاعة القرآن الكريم تعلم علم اليقين مدى ضعف هذا الحديث الذي يتكئ على ما يسمونه حجاب المرأة ، فلقد فوجئت بمحتوى هذا الحوار الذي دار اليوم - في الواقع يدور كل يوم - بين المذيعة والشيخ في معرض احتفال الإذاعة بذكرى المولد النبوي، فتسأل المذيعة ضيفها عن كيفية الاحتفال بذكرى الحبيب النبي فيجيب الشيخ أن ذلك يتم من خلال إلزام كل أسرة لبناتها ونسائها بالحجاب وأنه لا عبرة لابنة أو امرأة تريد إرجاء ارتدائه حتى تقتنع، ويسترسل الشيخ قائلا إن حبنا للنبي (ص) يلزمنا باتباع سنته في تحجيب المرأة فلقد ألزم النبي (ص) أسماء بنت أبي بكر بالحجاب لما رأى عليها ثيابا رقيقة فقال" يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصح عنها إلا أن تظهر هذا وذاك وأشار إلى وجهه وكفيه".                                                                  

تمارس الإذاعة الخداع الفقهي إذن وهي تعلم، فالحديث ضعيف عند علماء الجرح والتعديل، أنظر إلى سنده الذي رواه أبو داوود دون بقية (الصحاح الستة)، أنظر إلى السند: "عن الوليد عن سعيد بن بشير عن قتاده عن خالد بن دريك عن عائشة "، وانظر إلى المفارقة، إن أبي داوود راوي الحديث يضعفه قائلا: مرسل، أي منقطع السند، وقال ذلك أبو حاتم الرازي، مرجعين سبب الانقطاع إلى أن خالدا لم يدرك عائشة، ولضعف سعيد بن بشير كذلك، ولتدليس قتادة، والنتيجة: الحديث في غاية الضعف. هذا هو المدخل الفقهي لنسف الحديث، الحديث الذي بات محل مراجعات كبيرة عند العوام من المسلمين غير المتخصصين في الفقه، أفادتهم شبكة المعلومات الدولية وبرامج الستالايت الناقدة للتراث.

 والسؤال الآن، لماذا تدلس الإذاعة ذات كثافة الاستماع العالية على مستمعيها كل هذا التدليس؟ هل لأن مستمعيها من الشباب الذين لا وقت لديهم ولا مكانة علمية لتفكيك هكذا موضوعات دينية؟ حقا إن للخطاب الديني سطوة على النفس رهيبة، تلجم العقل، وتسكت الفكر، وتخدر الوعي، تستغل الإذاعة أن زبائنها الأثيرين هم سائقو الميكروباص والمينى باص والتاكسي، وأن شبابا صغيرا هم مستقلو هذه المركبات، لا علم لديهم بفقه، ولا نضج لديهم بعقل، شباب غض وشابات، من السهل إرعابهم وإرهابهم بالحديث عن النار والعذاب المهين إن هم عصوا الخطاب المشيخي الذي بات مماهيا للنص الديني مماهاة صارمة مادام الشيخ المهيب قد تفوه به عبر الإذاعة المهيبة، وبدلا من تقريظ الإذاعة الموقرة لفحول الذكور الهائجين على شعر امرأة قررت بإرادتها أن تمارس حريتها بعدم تغطية شعرها، راحت الإذاعة الموقرة تدين الضحية، إنه ما الذي يهيج الإذاعة من شعر المرأة؟ ألهذا الحد تستفز جنسيا من خصلات شعر امرأة تركته للهواء؟ ما الخطاب الإذاعي الديني والمرأة في مصر؟ ترى هل هو خطاب متسق مع مواد الدستور المصري الذي حيك بعد ثورتين رامتا التخلص من الدين السياسي؟ أم أن الحقيقة انجلت على أن الدولة الدينية في مصر قد أحكمت قبضتها على العقل المصري إلى غير رجعة من خلال ستر الرأس؟ يبدو أن رأس المرأة بات مشكلة الدولة المصرية، إن أخفته عن العيون انهمر المطر، وتكثفت الزروع، وأنبتت الحقول، ودارت المصانع بالماكينات، وعظم الإنتاج، وانخفض سعر الدولار أمام الجنيه، واغتنى الفقراء، واختفت بيوت الصفيح، وانعدمت البطالة، وزاد حجم الصادرات وتضاءلت الواردات، وبتنا نصنع ألبستنا الداخلية وسجاجيد الصلاة، وتقلص الدين بميزان المدفوعات، وساد الأمن بالشوارع، وتضاءلت أعداد ضحايا حوادث الطريق، وباشرت الداخلية عملها بنزاهة وتجرد وأمانة، وازدهرت الأحزاب والنقابات، وبتنا نثق من جديد بصناديق الانتخابات، وعادت الدولة بعد طول غياب . فلتخفي المرأة المصرية رأسها الذي يهيج العالم من حولها، بل فلتختبئ ببيت أبيها وزوجها ولو كانت مالكة له قد دفعت ثمنه من مال عملها، فليس لها كيان قانوني مستقل، مادام الخطاب المشيخي لا يراها إلا جسدا عاريا مهمته إغواء الفحول من المتدينين.                                                              

 أيتها المرأة المصرية فلتثوري على خطابات ثلاث هي في حقيقتها خطاب واحد يراك غير جديرة بالحياة، الخطاب المشيخي والخطاب الذكوري والخطاب السياسي، إنه بغير ثورتك لن نستعيد جميعنا مبادئ ثورة مغدورة نادت منذ سنوات قليلة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.  تلك الثورة التي يخشاها من يرى أن شعر المرأة عورة " ماأن تظهره حتى تميد الارض وتخر الجبال صعقا " ."

التعليقات