ديمة محمود تكتب: فيروز.. عندما يكوّن الغناء ذاكرة للمعرفة

 

تحدثني صديقتي التي تبلغ نيفاً وخمسين عاماً ونحن نشرب فيروز مع قهوتنا، كيف كانت فيروز نافذتها الواسعة على العالم، على الأفق البعيد عنها مساحاتٍ شاسعة. ولطالما اعتقدتْ بعد سماعها ولو لحظياً أن ذراعيها أو إحداهما تنفلت منها لتمتد وتتمدد خارج ثقبٍ ما وتتلمس الأفق فتطاول منه النّجوم وماء النهر المنساب بشفافية.
إنها وعلى الرغم من طفولتها المتقزّمة، وعدم إدراكها لسبر بعض مفردات الأغنيات، أُخذت بالموسيقى، ليست موسيقى الرحابنة بحدّ ذاتها فقط، وإن لم تدرك ذلك حينها، بل موسيقى اللغة والصوت لدى فيروز ذاتها. تسرّب الصوت الإلهي في الطفلة بلا حذرٍ، وبمرونةٍ وعلى عجلٍ نفذ إلى روحها وعلّق بَخوره في أذنيها والتصق في طين لا وعيها. أدمنته ورأت فيه العالم الغائبَ أو المغيّبَ عنها كله: المتعة الطريّة بما فيها من فرح ولهو ودمىً وحلوى وعبثٍ وأصدقاء ونزهة وعيد! الطبيعة والقمر والشمس والليل والسماء والجبل والكهف والشجرة والعندليب والنهر والعنب والجوز والورد، بل حتى فصول السنة والشهور، والكثير الكثير من الأشياء والتفاصيل..
بعيداً عن حضور الصوت، كان يحضر صداه. صارت أغراضها الشخصية المعدودة تذكرها فيروز، شعرُها، خواتمها، سوارها، شالها، وطيارة الورق التي لم تملكها فاجتهدت في ابتكارها من كيس له يدان ويحدث خرفشةً وقد ربطته بخيط طويل فأدّى الغرض! نما الصوت فيها واشتد عوده بالأوطان والولدنة والحب والرسائل والترقب والمراهقة والمغامرات والخمر.
في سياق كل هذه المنمنمات والتفاصيل التي قل أن توجد بشكل شاملٍ لدى مغنٍ أو مطرب، لم يكن غريباً أن تغدو فيروز جزءاً من الذات في توحُّدٍ أثيرٍ لم ينقطع. كان صوت فيروز بالنسبة لها ملاذاً لذيذاً ومتعة سريّةً على انفراد نبت في ذاكرتها ليتجذرَ رغم سطحية التلقي التي تبدو في الظاهر، ومحدوديّة إمكانية الاستماع والتكرار، بل واختلاسه في مراتٍ كثيرة.
لا شكّ أنّ فيروز شكلت لأجيال ذاكرةً جمعيةً وجدانيّةً وفنيّةً ولغويةً، لكثيرين يتعزز فيها شعر وصوت وموسيقى بلون متفردٍ وروح خاصة ممتدةً في كل اتجاه لتسع الجميع، ممن أراد، وبلا استثناء دون مبالغة إلا ما ندر وشذ (وأقصد هنا الفئات القليلة التي أصرت على حجب ثقافة الآخر الجغرافيّ عنها ونصبت دونه حاجزاً روحيّاً سميكاً). وقد بلورت أغنياتها جزءاً من ذواتنا وحسّنا وتذوقنا للجمال والوجود، خصوصاً في سنواتٍ ممتدة كثيراً إلى ما قبل التسعينيات، حيث انعطف بعدها الذوق الفني وحيثياته بشكلٍ حاد وملفت مع ظهور الفضائيات وشركات الاحتكار الإنتاجي وتزامن ذلك مع آثار الغزو الأميركي للعراق وتبعاته، وغير ذلك من الظروف والعوامل التي لا مجال لذكرها وتفصيلها هنا.
لكن ارتباط فيروز في وجدانِ صديقتي بالنور والمخرج والنافذة والانفتاح والريح والربيع والحلم والطبيعة والحب، توأمَها بشكلٍ وطيد مع هذا الصوت الإلهي صافي الروح بهيّ الإيقاع بترنيماته السماوية. ولم يكن الفكاك سلمياً من هذا التوحد، إذ كثيراً ما ظلت دافئةً مضطربةً مرتبكةً لساعةٍ وأكثر، تضطرم بكثيرٍ من وابلٍ ومْضيّ وصدىً طويلٍ طويلٍ يستغرق كثيراً حتى يخبو. ولطالما تعبأتْ بكثير من النشوة بعد هذا الاستماع العابر والمقنّن على غير إرادتها، والسرّي المسروق أحياناً.
أدركتُ بعد مراجعةٍ  وتأملٍ أنني مهما اعتقدتُ ورددتُ كم أعشق فيروز وأنتمي إليها، فإنني لن أصل لطقس التصوف نفسه الذي وصلت إليه صديقتي. وذلك ببساطة لأن الحريّة هي توق الإنسان الأول كرديفٍ أو كوجهٍ آخر للمعرفة، وفيروز مثلت لديها وجداناً معرفيّاً مختلفاً من نوعٍ خاصٍّ جداً، لأنه ناتئ من شغفٍ وجفافٍ ورغبةٍ ارتبطت جميعها بالنور والمعرفة والتحلّل من القيد..
ما لم تقله صديقتي هو أن أجيالاً مضت قد تعلقت بفيروز لا واعيةً مأخوذة بمعرفةٍ ونورٍ ما وإن انحسر ذلك في ظاهره بالصوت والكلمة.. ولكن الفرق كان في التعلق النسبي الذي تشكل نسبة انحسار المعرفة جزءاً منه.

التعليقات