هشام فتحي يكتب: الشعراوي يحكم مصر

 

كثيرون يظنون أن الشيخ محمد متولي الشعراوي مجرد شيخ داعية جليل، فسر القرآن الكريم بمنهج جديد على السامعين مستخدما المنطق وسط كوكبة من المشايخ الذين يجترون المناهج القديمة في التفسير ولكنهم لايتمتعون بالكاريزما والشعبية ذاتها التي تمتع بها الشيخ، وللحقيقة مازال يتمتع بها في أوساط العامة والإسلامويين إخوانا كانوا أو سلفيين.

كل ماتقدم صحيح، لكن كان لذلك أسبابه. وبداية لايمكنني إنكار أن الرجل ذو كاريزما هائلة عند العشاق، وله شعبية جارفة نظرا لأسلوبه الجديد في تأملاته وتحليلاته لنصوص القرآن الكريم مستخدما الأسلوب الرياضي في التحليل إضافة للغتة الدارجة المصرية القروية المحببة إلى النفس مع بلاغة لغوية عربية رائعة في الإلقاء والنظم ، لكن كان الرجل مع ذلك يرفض أن يقال له مفسرا، فللتفسير رجاله الأقدمون لن يحيد عن تفسيراتهم قيد أنملة، ولم لا، فهو تابع أمين لمنهج أساطين مذهب أهل السنة والجماعة في السمع والطاعة للحاكم ونظامه منذ أن دشن معاوية ابن أبي سفيان دولته السلطوية له ولأولاده منذ فجر التاريخ الإسلامي - حسب التاريخ السني المعتمد - فالطاعة للحاكم والتكفير للخوارج أعداء النظام .

كان الشعراوي بالسعودية يغرف من خيرات عاهلها وقت أن كان جمال عبد الناصر يحكم مصر بمنهج مايسمى الإشتراكية العربية، وكان ناصر حليفا سياسيا للاتحاد السوفييتي ذي المنهج الشيوعي في الحكم، مامهد بامتياز لتنفيذ فكر الشعراوي الديني الذي خطط له السادات منذ أن استلم السلطة في مصر بعد وفاة عبد الناصر أو مقتله.

استلم السادات السلطة عام 71 من القرن الفائت، واستقدم الشعراوي من صحراء السعودية ليسقط وهابيتها على مصر، أتقن الشعراوي اللعبة الخطرة ببرنامجه نور على نور ثم ببرنامجه الخاص الذي يبث من مسجد الحسين، كفر الرجل غير المسلمين من المسيحيين، وكفر باقي أطياف المجتمع السياسي المصري من ناصريين وشيوعيين واشتراكيين وقوميين عروبيين وغيرهم ، حتى أنه كان يفتخر علنا وعلى التلفاز بسجوده لله شاكرا على هزيمة الجيش المصري عام 67 أمام إسرائيل لأن مصر في زعمه كانت تحت الحكم الشيوعي ، وبالحقيقة كان غير علمي في فهمه، فلم تكن مصر شيوعية الحكم ولاشيوعية الهوى ولاينبغي لها ذلك ، لكنه هوى الصحراء السعودية الذي أرسله السادات في الإتجاه المطلوب لضرب تراث النظام الناصري في الإقتصاد والسياسة والثقافة ، ولتحويل قبلة مصر ناحية الأطلنطي باتجاه الولايات المتحدة الأمريكية وبيتها الأبيض بديلا عن البيت الأحمر الشيوعي في الشرق.

أتقن الشعراوي لعبته بتكفير السوفييت واتباعهم في مصر والعالم الإسلامي، لكنه ومن العجيب لم يعترض على زيارة السادات للقدس والصلح المخزي مع إسرائيل، ذلك لأنها إرادة سامية أمريكية وسعودية أيضا، الرجل تابع أمين لمذهب أهل السنة والجماعة في السمع والطاعة للحاكم ونظامه.

أيد الرجل سياسة السادات فيما أسماه بالانفتاح الإقتصادي، ولم يكن انفتاحا اقتصاديا بقدر ماكان تمكينا لمجموعة من المستوردين الجدد للحوم والدواجن والبسكويت واللبان من استلام دفة الإقتصاد القومي من الدولة ، فشيدوا الأبراج العقارية الشاهقة، ورفعوا أسعار المباني ، وارتفعت بالتبعية باقي أسعار السلع والخدمات نظرا للاحتكار المحصن سياسيا وفقهيا، كان السادات يردد مقولتة الشهيرة في خطبه " واحد باني عمارة أعمل له إيه؟ " مؤكدا منهجه الجديد في الحكم بتخلي الدولة بالتدريج عن حماية الفقراء، وتلقفها الشيخ الشعراوي ليردد مقولة السادات ولكن بأسلوبه المعروف عن ( أن باني العمارة هيشغل البنا والسباك والمقاول وحامل الطوب وناقل الرمل والكهربائي وبتاع المجاري والكل هيشتغل مش كده وللا إيه) ، ليكافيء السادات شيخه الأثير بتعيينه وزيرا للأوقاف.

ولكن للحقيقة لم يستمر الرجل كثيرا في وزارته، ولربما أثرت مسؤولياتها على عمله الأساس في وهبنة المجتمع المصري وسعودته وضرب نسيجه الوطني ، إذ سرعان ماتم تعيينه مستشارا دينيا لشركات " الريان " لتوظيف الأموال ، ولم تكن شركات وطنية بالأساس ، بل قوامها مجموعة من المشايخ المغامرين في مجال التجارة ، رفعوا سعر الفائدة على الودائع بشركاتهم ( يسمونها المرابحة ) لأن الفائدة الثابتة حرام فقهيا، فكسحوا مدخرات المصريين من البنوك الوطنية إلى شركاتهم تحت عيني النظام الساداتي ( الإسلامي ) لضرب الإقتصاد المصري في مقاتله ، وقد كان ، خوت البنوك الوطنية من مدخرات المصريين ليستلمها مشايخ الريان والسعد والشريف وغيرهم بمباركة شعراوية ، ولم لا ، أليست الفائدة حرام في شرع الله ؟

وأعلن السادات أنه رئيس مسلم لدولة إسلامية ، وكلف مجلس الشعب وقتها بإعداد مشروع كامل لتطبيق الشريعة الإسلامية على المصريين في كل مجالات حياتهم ، وزرع المادة الثانية ذات التاثير الخطير بالدستور المصري ماأدى لاعتراض كثير من المثقفين والمفكرين من ذوي الإتجاهات العلمانية والإشتراكية ، لكن ماكان ذلك ليفت في عضد السادات ، فالشيخ الجليل الشعراوي ماض في حكمه بوهبنة الوعي المصري وأسلمته ، التليفزيون المصري تحت سيطرته ، ومؤلفاته التفسيرية للقرآن والحديث على أرصفة الشوارع وبالمكتبات غزتها كالجراد ، وصار الرجل حديث الساعة وكل ساعة.

ولمع الشعراوي في افتتاح مشروعات الحيتان الجدد ، فكان صورته تتصدر أغلفة الصحف والمجلات وهو بطليعة مفتتحي هذه المشروعات المباركة ، لكن الرجل لم يخجل من تدمير اقتصاد بلده وزيادة فقرائها فقرا على فقر ، مادام الدين - إقرأها بكسر الدال او فتحها كما شئت - هو الذي يقود وليس الشيوعية.

لقد انعكس انقلاب السادات / الشعراوي على المجال الفني والثقافي بالتبعية، حرم الفن ، وضربت الثقافة ، وسادت السطحية والتفاهة ، فاضطر المنتجون إلى معاقرة سينما المقاولات ، وصار الذي يملك المال من مستوردي اللحوم وبناة الأبراج ضعيفة الأساس هو الذي يملك الفن والثقافة ويحدد موضوعاتهما حسب شرع الله ، وسبحت الثقافة بحمد السادات والأمريكان ، وتحجبت النساء ، وكان الشعراوي رائدا في يمجال مايسمى ب ( تتويب ) الفنانات ومن ثم تزويجهن من أثرياء الخليج وأمرائه، فمال الخليجي حلال، أما مال الفن فحرام شرعا، حثهن على ترك الرذيلة، والمرأة مكانها بيت زوجها حتى توافيها المنية.

تدروش المجتمع ، وفقدت الدولة وجودها ، وانتهت سيطرتها على الاقتصاد لمصلحة اللصوص الجدد ، لقد شارك الشعراوي بسهم عظيم في مسيرة حكم السادات لمصر ، تخريبا لاقتصادها ، وتكفيرا لشعبها ، وضربا لثقافتها ، ولم يكن الرجل مجرد شيخ جليل رائد في تفسير آيات القرآن الكريم ، بل كان شريكا أساسيا في حكم مصر منذ ان جاء السادات إلى السلطة عام 70 من القرن الماضي.

ولم تنته مشاركة الشيخ في حكم مصر بمقتل السادات عام 81 ، بل مازال الرجل حاكما للعقل المصري وللنظام برمته، نظرا لأن نظام أنور السادات لم ينته بمقتله، فمازال السادات يحكم من قبره مع شريكه في الحكم والسلطة الشيخ محمد متولي الشعراوي حتى الآن.

التعليقات