يوسف مسلم يكتب: المقاطعة أم التوريط.. تعقيب على ترشح خالد علي

 

 

قبيل الانتخابات الرئاسية الأولى والأخيرة في عهد المخلوع مبارك، كنت من مؤيدي فكرة المقاطعة، ولطالما تمنيت أن ينسحب المرشحون أمام مبارك، لينكشف زيف الديمقراطية الصورية التي دعا إليها النظام كنوع من المراوغة السياسية لتمرير ملف التوريث أمام العالم.

كان العام هو 2005، وكان نظام مبارك في أوج استقراره، واستئساده على قوى المعارضة كافة، بفضل يده الباطشة، حبيب العادلي وجهاز أمن الدولة، فضلا عن شرعيته الدستورية المعترف بها عالميا، ولا شك أن كثير من دول العالم المتحضر نظرت إلى خطوة إجراء انتخابات رئاسية بديلا عن الاستفتاء المعمول به منذ انقلاب يوليو 1952، باعتبارها نقلة نوعية في التحول الديمقراطي في مصر.

وحدنا في الشوارع وعلى أرصفة الميادين كنا ندرك الخدعة، وأن الانتخابات لم تكن سوى كوميديا سخيفة تذكرنا بسينما المقاولات، التي كانت إحدى أبرز إفرازات الحقبة المباركية المقيتة، لذا فإن المقاطعة وقتها ـ في ظني ـ كانت سلاحا ماضيا يقوض ما أسماه مبارك ـ عبثا ـ العرس الديمقراطي، لكن القوى السياسية المعارضة وقتها ارتأت غير ذلك، فسارعت بدفع تسعة مرشحين أمام مبارك في عملية انتخابية هزلية، حفلت بالكثير من النكات الممجوجة، وصلت إلى مدى إعلان المرشح الرئاسي السابق ورئيس حزب الأمة أحمد الصباحي، إلى إعلان عزمه ترسيخ فكرة التعددية في الحياة السياسية المصرية بتأسيس حزب مسيحي يقابله حزب إسلامي، وحزب شيوعي يقابله حزب رأسمالي، وحزب ديمقراطي يقابله حزب ديكتاتوري، وهو الأمر الذي كشف اهتراء الحياة الحزبية في مصر، وأسفر عن فوز مبارك بنسبة تتجاوز ال 88%، فجاء الأمر أمام دول العالم بما يبدو معقولا، أو ربما غضت النظر عن لامعقوليته، لأنه ليس ثم قرينة دامغة تشي بعكس ذلك.

والسؤال الآن؛ ماذا لو كانت تمت مقاطعة هذه الانتخابات؟ أظن أن هذا الفعل كان سيمثل ـ على الأقل ـ ارتباكا دستوريا أمام العالم، وربما كان سيؤدي إلى تزعزع شرعية نظام مبارك التي اكتسبها من الخارج على مدى أكثر من أربعة وعشرين سنة، وهو ما قد يهدد استقراره.

في عام 2012 كانت ثاني تجاربنا الانتخابية على منصب الرئيس، وكانت لا تقل هزلية عن سابقتها، إذ أن الثورة وقتها لا تزال متوهجة، ونظام المجلس العسكري تعتريه ربكة طاغية تهدده، وبخاصة أنه شارك الشرطة في إراقة الدم فى الشوارع أكثر من مرة، وتبين لمن لا يرى من خلال الغربال، المؤامرة التي حاكها جنرالات مبارك لتقويض الثورة، وربما كانت المقاطعة وقتها لها تأثير قوي كذلك ـ بالرغم من أني شاركت في الإدلاء بصوتي ـ لكن أعترف أن المشاركة في الانتخابات كان خطأ استراتيجي من قبل الثورة ساهم في غرس الفعل الثوري في أوحال السياسة، والنتيجة كانت حصول محمد مرسي مرشح الإخوان على النسبة الأعلى انتخابيا فكانت النقلة قبل الأخيرة فوق رقعة الشطرنج من جانب الجنرالات قبل أن يطيحوا بشاهنا من فوق الرقعة لتعود مصر إلى حظيرة الحكم العسكري.

أما انتخابات 2014 وهى الأكثر سخفا، لأنها جاءت بعد عام أو أكثر من تزييف الوعي وتكميم الأفواه، والإطاحة بكل من يعارض هذا الحكم العسكري، معنويا وماديا، بقيادة ثلة من الإعلاميين المأجورين للأجهزة الأمنية، وبشكل بالغ الفجاجة وتزداد فجاجته يوما تلو يوم، وكانت النتيجة هى انتخابات أشبه باستفتاءات مبارك والسادات والناصر، ففاز مرشح الجيش المدلل بنسبة تقارب ال 97% بالرغم من افتقاده لأي مؤهلات أو خبرات سياسية أو حتى قدرة على مخاطبة الجماهير، فكان يبدو منذ البداية مجرد نكتة سمجة أكثر سماجة من سلفه مرسي بل ومن القذافي ذاته الذي كان مضربا للنكات بسبب خطاباته العبثية.

لا أشك لحظة في أن النظام قد زور هذه الانتخابات، بل أكاد أزعم أن هذه الانتخابات كانت الوحيدة في تاريخنا البريئة من التزوير، فالنظام لم يكن بحاجة إلى تزوير البطاقات الانتخابية أو الكشوف، لأن التزوير الفعلي تم قبلها، وهو تزوير الوعي، فتم تصدير السيسي إعلاميا باعتباره البطل المغوار وقاهر الأعداء وسوبر مان وربما ديفيد كوبر فيلد أيضا، ولا أظن أنه لو كان أستاذنا نجيب محفوظ حيا سيغضب حين أقول " آفة حارتنا الإعلام"  بل آفة كل الحارات المزنوقة من أمثالنا في التاريخ، فلا طاغية في التاريخ إلا وكان وراءه آلة إعلامية تحترف الزيف والتدليس والكذب.

 وللأسف خاض حمدين صباحي هذه المعركة وهو عار الظهر تماما، إذ تعالت صيحات المقاطعة من أجل استكمال الفعل الثوري في الشوارع، وتناسى الفصيل الثوري أن الثورة قد تم الزج بها في السياسية حتى تجاوز الوحل صدرها، بالتأكيد كان السيسي سيربح هذه المقامرة الانتخابية، لكن لو أن الفصيل الثوري اصطف وراء حمدين لما كانت هذه النتيجة المخزية.

 ربما لم يكن حمدين صوتا ثوريا خالصا، بل المؤكد أنه محمل بميراث من تناقضات الناصرية التي خلقتها المؤسسة العسكرية كبديل لحكم الباشوات في حقبة ما حتى تطورت لتخلق طبقة جديدة من الباشاوات متمثلة في جنرالات الجيش وأذيالهم من الشرطة والقضاء، والحق لا أشكك في نزاهة حمدين ولا أدعي انتماءه إلى هذه الطبقة الطفيلية التي تمتص دماءنا منذ انقلاب يوليو، لكنه محمل برومانسية شباب التنظيم الطليعي الذين عصف بهم السادات، وإن كان ليس منهم، فحمدين نموذج يشبه إلى حد كبير النصف الأول من حياة علي البدري في رائعة أسامة أنور عكاشة "ليالي الحلمية" هذا الثائر الذي هزمته ثقته المفرطة في قادته، حقا إن حمدين لم يتحول تحول علي البدري، لكن لا تزال في أفكاره ندوبا من هذه الثقة المفرطة. لكنني كنت أعتبره وقتها مرحلة في الصراع الاستراتيجي بين ثورة يناير وعدوها الأول "جنرالات مبارك"، وشئنا أم أبينا أصبح الحراك الثوري في الميادين أمرا مستحيلا بل تحولت الثورة في أذهان كثيرين إلى حالة كرنفالية، تواجه دولة عنيفة حد الغباء، مدعومة بآلة إعلامية تكرس كل فنون الكذب والتدليس من أجل إعلاء شأن بطل من ورق، أخذ رتبة المارشالية في مصادفة عمياء. فلا يتوانى هؤلاء في تأطير أي شيء مهما بلغت تفاهته باعتباره من منجزات هذا الرئيس المزحة.

الآن وبعد ثلاثة أعوام من اعتلاء السيسي سدة الحكم، وبعد أن ثبت فشله نظريا وتطبيقيا، فإن الدولة ازدادت شراسة وصلفا، وعواء الإعلاميين المأجورين وصل صداه إلى أبعد مدى، كمحاولة لمواراة هذا الفشل الأسطوري، الذي وصل بتوسيع طبقة الجياع في المجتمع المصري، وسقط بالسيسي إلى أدنى درجات السخرية حتى تحول مؤخرا إلى لعبة يطرقع بها الأطفال في الحارات ويبيعها الباعة باسمها الذي اتفق المجتمع ضمنيا عليه، وبخمسة جنيهات فقط لا غير.

 ولأن هذه الدولة وصلت إلى أقصى جنونها فراحت الشرطة تطارد بائعي هذه اللعبة، هذه الدولة بالتأكيد ستسعى إلى تزوير الانتخابات المقبلة لصالح مارشالها المدلل عديم الرؤية والخبرات، لذا أعتبر نزول خالد علي إلى حلبة الصراع الانتخابي أمرا ضروريا على المستوى الاستراتيجي، ليس لأن له فرص في النجاح، لكن لتعرية هذه الدولة وكشف غباءها أمام العالم.

لسنا بحاجة إلى الحديث عمن يكون خالد علي؟ فكلنا نعرف من هو خالد منذ كان محاميا صغيرا في مركز هشام مبارك منذ خمسة وعشرين عاما، وكلنا نعرف وجهة انحيازاته جيدا، يكفينا أننا اصطففنا جميعا وراءه في قضية تيران وصنافير، ومن المؤكد أن هذا المقال ليس على سبيل الدعاية الانتخابية له، فأنا أول الواثقين بأن النتائج ستزور لصالح منافسه، ولكن لابد أن نورط هذا المنافس في التزوير العلني، لنستعيد ما فقدنا من مساحات على الأرض منذ صعود الإخوان وحتى الآن، فإذا انسحب خالد علي وبقى السيسي بمفرده فإن دولته المجنونة وإعلامه الذي لا ضمير له سيصور الأمر كما لو كان تأييدا شعبيا له وسيستكمل الدورة القادمة دون مقاومة شعبية تذكر، وشعبية هنا أقصد بها عموم الجائعين الذي اصطلوا بسياط الكوارث الاقتصادية التي أوقعها بنا السيسي، بانبطاحه أمام القوى الإقليمية والدولية متمثلة في السعودية وإسرائيل وأمريكا وصندوق النقد الدولي.

هؤلاء هم الرهان الحقيقي، وعلينا أن نعترف أنهم كانوا الضربة القاصمة لنظام مبارك، وأيضا هم من تم تزييف وعيهم من أجل الصعود بالسيسي إلى سدة الحكم، لكن هذا الوعي المزيف آخذ في التغير يوما بعد يوم وبخاصة بعد ما لاقوه من سياسات التجويع التي اتخذت مؤخرا مسارا نحو الإبادة، لكن تحركهم ضد النظام، لن يكون إلا بدافعية مختلفة، وهى إسقاط آخر أوراق التوت التي يستتر بها السيسي ونظامه، ففي هذه الحالة ربما هم من يقودوننا في المظاهرات لإسقاطه وحفنة جنرالاته.

التعليقات