رباب كمال تكتب: دستور مصر السلفي الذي صاغهُ الأزهر!

 

  

 

ماذا لو كان  الأزهر يحظى بسلطات أكثر من تلك السلطات التي يحظى بها اليوم ؟  

لا  نحتاج للخيال من أجل الرد على هذا  التساؤل، كل ما علينا فعله هو قراءة متأنية  للتاريخ ليس من أجل إعادة قراءة التاريخ فحسب ولكن من أجل  إعاده  فهم التاريخ.

تأخذنا ذاكرتنا إلى عام 1977 لنقرأ ونحلل ونفهم، كان ذلك هو العام الذي طالب فيه المؤتمر العالمي الثامن بمجمع البحوث الإسلامية والذي ُ عقد بالأزهر في أكتوبر بوضع  دستور  إسلامي  للبلاد. وعُقد المؤتمر برئاسة د. عبد الحليم محمود شيخ الأزهر حينها .

و أصدر الإمام  الأكبر عبد الحليم محمود في 5 يناير 1978  قراره رقم  11بتشكيل لجنة من مجمع البحوث الإسلامية لوضع الدستور الإسلامي تنفيذًا لقرارات وتوصيات المؤتمر الثامن للمجمع و تسليم وثيقته للجهات المسئولة

ماذا قال الأزهر في دستوره ؟ و بالأحرى إلى أي مدى سيطرت النزعة الثيوقراطية على الأزهر ؟

يتكون  دستور الأزهر من 93 مادة و نورد منه ما يأتي:

فيما يخص الأمر بالمعروف

المادة  6  تنص على أن  الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض ويأثم من يقصر فيه مع القدرة عليه.
 المادة 57 تنص على  أن الامام مسئول عن تمكين الأفراد والجماعة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأداء الفرائض.

ملحوظة: الإمام هنا هو رئيس البلاد أي أن الأزهر كان يؤسس لدولة الإمام

 

فيما يخص المرأة:

المادة 8  تنص على تهيئة الوسائل لحسن تبعية  المرأة لزوجها.

المادة  14 تنص على  حظر  التبرج  وفقاً لأحكام الشريعة الاسلامية.

المادة 38  تنص على عمل المرأة وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية.

المادة 68 تنص على اختيار الدولة للرجال المؤهلين لمناصب القضاء،  أي حظر العمل بالقضاء على  الرجال دون النساء

 

 

فيما يخص الحريات العامة و المهنية

 

المادة 29  تنص على أن الاعتقاد الديني والفكري وحرية العمل وإبداء الرأي بالقول والكتابة أو غيرهما تتم  في حدود الشريعة الاسلامية.

المادة 37 تنص على أن حق العمل والكسب والتملك لا يجوز المساس به إلا بمقتضي أحكام الشريعة الاسلامية.
المادة 41 تنص على حرية الصحافة في حدود أحكام الشريعة الاسلامية.
المادة 42 تنص على أن الجمعيات والنقابات لا يجب أن تخالف أحكام الشريعة الاسلامية.

المادة 43 تنص على أن الحقوق تمارس وفقًا للشريعة الإسلامية 

فيما يخص بيعة الإمام

المادة 44 يكون للدولة إمام  تكون الطاعة له دون  الخروج عليه .
المادة 45  تنص على  عدم جواز الخروج  عن الإمام إلا  في حالة مخالفته للشريعة الإسلامية .

المادة 46 تنص على أن تكون البيعة للإمام بالأغلبية المطلوبة لأصوات المشتركين في البيعة، و هنا لابد أن نتوقف عند لفظ البيعة و ليس الانتخاب، لأن البيعة في الإسلام لها شروط  فهي بيعة المسلمين  للخليفة.

المادة 47 تنص على أن الإسلام والذكورة شروط أساسية  لإمام الدولة ( رئيس الدولة )

 

فيما يخص تطبيق الحدود

المادة 71 تنص على توقيع عقوبة الحدود الشرعية في جرائم الزنا والقذف والسرقة والحرابة وشرب الخمر والردة.

المادة 72 تنص على أن التعزيرات عقوبة في جرائم  لا تتم معاقبتها بالحدود الشرعية.

 وأما الفرق  بين الحد و التعزير من حيث العقوبة هو أن الحد يكون بالقتل والصلب وجلد مائة أو ثمانين جلدة وقطع اليد..الخ 

وأما التعزير فليس فيه شيء محدد، وإنما يوكل إلى اجتهاد الإمام فيضرب أو يسجن أو يفعل غير ذلك مما يراه رادعا عن المعصية .

 

 المادة 79 تنص على أن  الجلد هو العقوبة الأساسية في التعزيرات.

 


المادة 74 تنص على صياغة قانونية لشروط قبول التوبة وأحكامها.

 المادة 81 تنص على إنشاء محكمة دستورية عليا تختص بالفصل في مدي مطابقة القوانين واللوائح لأحكام الشريعة الاسلامية


 المادة  92 تنص على إلغاء القوانين المدنية المخالفة لأحكام الشريعة الأسلامية واستبدالها بغيرها.

 

لم يتم تفعيل دستور الأزهر السلفي وإنما قام الرئيس أنور السادات عام 1980  بتغيير صياغة المادة الثانية، فأصبحت " الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع بعدما كانت أحد مصادر التشريع في دستور 1971، فكان السادات أكثر برجماتية من الأزهر، فبدلا من تقديم دستور جديد يثير حفيظة شعب لم يقع بعد تحت تأثير السلفية الفكرية، قام السادات  بوضع أداة تعريف ليجعل الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للتشريع  وتصبح كل الحقوق مرهونة بالشريعة.

أما الحدود، فهي لا تطبق في القانون المصري لأن المشرع المصري  قام بتعطيلها  لتعذر إقامتها  ولم ُينكر المشرع المصري الحدود في الشريعة، وهناك فرق كبير في الأمرين.

 

الخاتمة  

السؤال هنا إلى أي درجة تختلف تلك المواد في الدستور الذي أعده  الأزهر للبلاد عن رؤية السلفيين للحكم؟

ولنسأل سؤالًا  أكثر قسوة، إلى أي درجة يختلف هذا الدستور عن  رؤية تنظيم الدولة الإسلامية في الحكم ؟ لربما سيرد البعض رافضين المقارنة بين هذا الدستور و ما تفعله الدولة الإسلامية في العراق والشام وسيلجأون للإشارة إلى وحشية تنظيم الدولة الإسلامية و سلمية الأزهر؟ ولكن أي سلمية تلك التي ُتقر قطع اليد والجلد، وأي سلمية تلك التي تقمع الحريات و الحقوق حتى لا تخالف شريعة بعينها؟ أي سلمية تلك التي تضع في دستورها شروط قبول أو رفض التوبة؟ أليست هذه رؤية تنظيم  الدولة الإسلامية ( داعش ) ؟  

لربما الاختلاف إذن في طريقة التطبيق والإدارة  وليس في الفكر نفسه.

قد نجد أنفسنا هنا أمام  إشكالية خطيرة  وهي  أن الفرق بين الأصولية السلفية  والوسطية هي  نبرة الصوت، لكنه نفس الكلام و الفكر.

 

هل مشروع الأزهر السلفي مجرد  ذكرى ماضية ؟ 

و لمن يقول أن مشروع دستور الأزهر السلفي الثيوقراطي الذي تمت صياغته  عام 1978 مجرد مشروع لأفراد انتهي منذ 40 عامًا ، نذكرهم بأن جبهة علماء الأزهر طالبت بتطبيق هذا المشروع عام 2009 حين توجهت إلى الحزب الوطني الحاكم قائلة

إلى الحزب الذي طال عليه الأمد حتى كثر شاكوه وندرَ مادحوه، ماذا فعلت بوثيقة الدستور الإسلامي المقدمة إليك بيد إمامنا الأكبر "عبد الحليم محمود" منذ ثلاثين عاما؟

العبارة السابقة هي لب القضية التي نتحدث فيها اليوم ، فمعارضة رجال الأزهر للحكم ليس على سبيل مناهضة الديكتاتورية و إنما رغبة في فرض الديكتاتورية الدينية وهو ما كان جليًا وواضحا في دستور مصر  الأزهري  1978

 

يتبقى السؤال الأخير

هل ذهنية رجال  الأزهر والقائمين عليه  الآن  تختلف عن تلك العقلية التي صاغت دستور الأزهر عام 1978، وهذا يعود بنا إلى نقطة البداية أو السؤال الذي استهللنا به المقال  

ماذا يفعل الأزهر لو أصبحت له سلطات أكثر من تلك التي يحظى بها الآن ؟

و بالتالي فهناك ضرورة حتمية أن ندرك بأن مناصرة الأزهر بمشروعه الثيوقراطي كيدًا في السلطة (في أوقات الصراع الظاهرية أو الخلافات الوقتية) لن يفيد قضية الحرية ولا الدولة المدنية  في جناح بعوضة.

انهالت علينا مقالات وأبحاث عديدة في الفترة الماضية تروي لنا أقلامها عن تاريخ تحدي الأزهر للسلطة السافرة الغاشمة، و أغفلت هذه الأقلام  عدة جوانب تاريخية.

أولا: أن تحدي الأزهر للسلطة ليس بالضرورة على سبيل الوقوف في مواجهة الديكتاتورية كما ادعى البعض  وإنما رغبة في بعض الأحيان  في فرض ديكتاتورية من نوع آخر،  و نظرية  أن رجال الأزهر كانوا دومًا يقفون في وجه السلطة رفضًا للتسلط أمر مغلوط، فالأزهر في كثير من مواقفه التي اختصم فيها  الدولة  كان  يمارس التسلط الديني على المجتمع  لا يواجهه.

ثانيًا: أن تاريخ الموائمات بين الأزهر و السلطة  أكثر بكثير من تاريخ الصراعات، فالأزهر يستمد سلطاته الدستورية من   الدولة، والسلطة تستمد شرعيتها الدينية من الأزهر ولا عزاء لمدنية الدولة حتى إشعار آخر.

 

التعليقات