رباب كمال تكتب: حرب العمائم في مجلس الدولة!


جلس الصحفي في رحاب سيادة المستشار وراح  يسأله عن المرأة وأحوالها في المجلس الموقر المعروف  باسم مجلس الدولة .
وأكد المستشار فرحًا مختالًا  فخورًا على موقف مجلس الدولة الرافض لتعيين الإناث، فمعاقل العدالة في بلادنا  تتباهى بانتهاك عرض العدالة ، فتتحول من معاقل إلى معتقلات للحرية .  
  ومن ثم  تساءل المستشار هل القضاء وظيفة أم ولاية؟ ولم يمنح أحدًا  فرصة الرد  بل رد على نفسه قائلا أن  الرأي الشرعي الغالب هو أن القضاء ولاية.
واستفاض  المستشار كما تفيض الفيضانات قائلا:
   كيف نترك إجماع الفقهاء بعدم جواز تولي المرأة القضاء، ونأخذ برأي الحنفية، الذين أجازوا لها ذلك في غير الحدود والقصاص.
  هل انتهى الأمر ها ؟  كلا البتة ،فللحديث بقية، فسيادة المستشار لديه المزيد، فقال بكل ثقة وحزم  قوة أن رفضه تولي المرأة القضاء  يستند  إلى مبادئ الشريعة باعتبارها قضية شرعية بالأساس، خصوصاً أن عمل المرأة في القضاء قد يصطدم بالمسائل الشرعية مثل الخلوة، كما يمكن أن يتناقض مع المبادئ والحقوق الدستوريةو قال سيادته نصا
عندما تعمل المرأة قاضية في دوائر المحاكم، يستوجب عملها أن يغلق عليها باب غرفة المداولة مع قاضيين أو أكثر من الرجال، ألا يعتبر اجتماعها معهم لساعات طويلة خلوة شرعية، وتساءل: هل هذا يجوز؟
وسنزيدكم من الشعر بيتًا أو عدة أبياتو لربما نقذف القصيدة برمتها  في وجوهوكم حين نشير عنايتكم لمسك الختام في حديث المستشار الإمام حين قال
تولي المرأة القضاء يتناقض مع المادة الثانية من الدستور.
بكل أسف، هذه ليست قصة من قصص الأدب الساخر، إنه واقع مؤلم نعيش فيه، بطله مجلس الدولة أو بالأحرى مجلس ذكور الدولة
نُشر هذا الحوار في اليوم الثالث من شهر مارس عام 2007 في جريدة المصري اليوم، وجاء الحوار في خضم تعيين الدفعة الأولى من القاضيات المصريات وهو الأمر الذي تأخرت فيه مصر كثيرًا  وكان الحوار مع سيادة المستشار رئيس نادي القضاة ونائب رئيس مجلس الدولة حينها وهو اليوم المرشح الوحيد من مجلس الدولة لرئاسة  المجلس، إنه  المستشار يحيي راغب الدكروري .
قبل أن نرفع القلم، تمهلت كثيرًا وفكرت كثيرًا حتى لا  ُيستخدم كلامنا في التجييش ضد مجلس الدولة، فأعيننا لا تغيب عن تلك المعركة الدائرة بين الرئاسة والقضاء بعد إصدار قانون الهيئات القضائية وهو القانون الذي سينال من تلك العبارة التي طالما رددناها "استقلال القضاء" وهو القانون الذي سيعطى السلطة التنفيذية مزيدًا  من النفوذ، وهو القانون الذي قد يضر بالدستور،  وهنا بدأ القلم يراود نفسه  على الورق الأبيض في محاولة للانتصار على تلك المخاوف الدائرة في عقولنا وقرر القلم أن يطرح تلك التساؤلات ..
السؤال الأول
هل قرر مجلس الدولة تغيير سياساته تجاه تعيين الإناث في مجلس الذكور المعروف باسم مجلس الدولة؟

لا، المجلس ثابت على موقفه، والمستشار الدكروري كذلك، بل أن هناك قضايا كثيرة قامت الفتيات المتفوقات برفعها لنيل حقوقهن في التعيين بالمجلس وهن أوائل على دفعاتهن  وتتعرض تلك القضايا للمطوحة القضائية ومن بين هؤلاء قضية أمنية طاهر جادالله والتي يضيع من عمرها أعوام وراء أعوام بينما  يقبض سيادة المستشار ومجلسه على الشريعة الإسلامية ومادتها الثانية في الدستور كمن يقبض على جمرة من نار. 
السؤال الثاني
هل هذا هو الوقت المناسب للإشارة لموقف مجلس الدولة المخزي من قضية تعيين الإناث؟

هذا ليس فقط الوقت المناسب، بل هذا هو الوقت الأمثل، فمجلس الدولة يتحدث عن الحفاظ على الدستور بينما يضرب هو بالدستور عرض الحائط ، وها هي أدلة انتهاك المجلس للدستور
أولا: انتهك مجلس الدولة المادة 11 من الدستور  والتي تنص على  تحقيق المساواة بين المرأه والرجل فى جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية
ثانيًا: انتهك مجلس الدولة المادة 53 من الدستور والتي تنص على  اتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كافة أشكال التمييز
ثالثا: انتهك مجلس الدولة الدستور في مادته الـ 4 وهي المادة التي تنص على تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين.
رابعا: انتهك مجلس الدولة الدستور في مادته الـ 9 و التي تنص على  تحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، دون تمييز.
خامسا: أصدرت  هيئة مفوضي الدولة تقريرًا في 2017  على الطعن المقدم من السيدة أمنية طاهر  وتم عدم قبول الدعوى شكلا لعدم اتباع الطريق الذي رسمه القانون!.. أي قانون ؟
وهنا نصل للسؤال الثالث الذي يدور في خلدنا
كيف تحارب الطغاة وتمارس طغيانك على الآخرين ثم تقنعنا بأن قضيتك هي الحرية والاستقلال؟

ولمن سيرد قائلا بأن هذا خلط للأوراق، سنقول هذا ترتيب للأوراق، فإن كانت المعركة أساسها الاستقلال من سطوة السلطة، فعلينا أن نعي أن الاستقلال ليس من سطوة السلطة التنفيذية وحدها وإنما من سطوة الأصولية والرجعية كذلك. 
الخاتمة
لابد أن يكون تضامنا واضح المعالم، فلا يجدر بنا أن نتحول لروابط مشجعين ينحازون لمجلس الدولة كيدًا في الرئاسة، علينا ان نكف عن اختيار معاركنا على طريقة المكايدة السياسية، علينا أن نعي أن المعركة الدائرة بين الرئاسة ومجلس الدولة معارك نفوذ وسلطة، فعلينا تحديد الهدف من انحيازاتنا حتى نبتعد عن تلك المكايدات السياسية وحرب تكسير العظام، وليكن انحيازنا هو قضية الاستقلال .
ولذا فإن قضايا الاستقلال والوطنية  لا يجب أن نختزلها في حكم المستشار الدكروري ببطلان  اتفاقية جزيرتي تيران وصنافير فحسب،  وإنما قضية الاستقلال هي  ألا نكون  وقودا  لحرب العمائم داخل مجلس الدولة.
   لربما يجدر بنا أن  نعلن موقفًا واضحًا ضد هيمنة السلطة التنفيذية  ومن يتولاها، لكن في ذات الوقت  كيف  نؤازر مجلس الدولة  بشكل ُمطلق؟ كيف ندافع  عن حقوق من يرفض حقوق الآخرين  بشكل سافر، كيف ندافع عمن يحدثنا عن الحقوق وهم  آكلون هاضمون ناكرون  لحقوق الغير.
الهدف ليس الانحياز لمجلس الدولة،  الهدف هو انحياز لدولة قانون، قضية مجلس الدولة هي قضية استقلال القضاء وبالتالي هي  ليست  قضية فئوية ننتصر فيها لمجلس الدولة ورجاله  ضد السلطة، ليعود ويعاود  مجلس الدولة لممارساته التميزية بلا أدنى حرج،  متذرعا بالشريعة ورأي الفقهاء تارة وبخطأ الإجراءات تارة أخرى
هنا.. جفت الأقلام وطويت الصحف. 



 

التعليقات