محمد ربيع يكتب: أمي وأم آديسون وأم المجرمين

 

 

"أنا الباطل لا يأتيني الحق من بين يدي ولا من خلفي". لا أدري لماذا كلما تحدثت عن أمي تحدثت عن جبهات وصراع تتخذ فيه صفي دومًا صغيرًا وكبيرًا؛ ربما لأن هذه مواقف أرى فيها أمي بوضوح، لكم كنت شقيًا. لا أدري شقيًا أم مجرمًا، ارتكبت جرمًا ما وأنا صغير لا يمكن تصنيفه أبدا ضمن شقاوة الأطفال، "كانت فتاة صغيرة لا يتعدى عمرها بضع سنوات، كنت ممسكا بشفرة وأتيتها من رأسها حتى أسفل فمها، مرورا بخدها الأيسر واجتنبت أنفها لربما هو ما نجى". تلقيت "علقة" ساخنة، ولربما كان تطور الوضع وحبس أبي أو حبست أنا لا أدري، لكن أمي لم تتحمل ما أتيت من ضرب كصفقة لإنهاء الأمر أمام أسرة الفتاة. لست فرحا أو فخورا بما فعلت، الأمر مضى عليه سنوات كثيرة حتى الآن إلا أنني كلما تذكرت وددت لو ذهبت للفتاة واعتذرت لها لا أدري هل ستتذكرني بالأساس أم لا لكنني آسف حقا. وكذلك أقيم تمثالا لأمي.

لا أحب الأعياد أصلا. سواء الفطر أو الأضحى أو الأم أو حتى هذا العيد المجهول الذي لا أذكره والحق لا أحب البشر أيضا.. ولكن ما جد هذا العام تحديدا لم يجعلني أطيق الانتظار حتى يوم 21 مارس كي أقول لها كل عام وأنتي بخير.. لا أدري أكان ذكاءا من أمي أو صدفة بحتة أن تنحاز لي هذا العام، لن أذكر الموقف الذي انحازت لي فيه باعتباره وصمة في جبيني،  لكني أخطأت. وهي أصرت بكامل إيمانها بي أني لم أخطئ. هذا ما جعلني أؤمن به هذا العام. الآن فهمت لماذا تدافع الأمهات عن أبنائهم المجرمين نافيات عنهم ما ارتكبوه حتى لو رآوه بأم أعينهم.

تذكرني دوما بتلك القصة التي يتم تداولها دائما لا أدري هل هي حقيقية أم لا لكنها تفي بالغرض "عاد الطفل من مدرسته وفي يده رسالة مغلقة طلب منه معلمه أن يسلمها لأمه ولا يفتحها، وصل الطفل إلى البيت وناول أمه الرسالة، وقرأتها ثم نظرت إليه صامتة، سألها: "ماذا في الرسالة يا أمي؟"

قالت له: "يقولون إن ابنك عبقري، ومدرستنا صغيرة ومتواضعة ولا تليق به ونقترح عليك تدريسه في البيت".

كبر توماس آديسون، وفتح الرسالة عندما وجدها صدفة، وفوجئ أنه مكتوب بها "ابنك غبي جداً ولا يمكن تدريسه سيمنع من دخول المدرسة اعتباراً من يوم الغد". لكن إيمان أمه به غيره، أنا متيقن أن إيمان أمي بي لن يغيرني، لكنها على كل حال تفعل ما يمليه عليها ضميرها كأم.

ما هذا الفتى الذي ينتظر موقف ما تظهر فيه أمه ولائها له كي يقرر ماذا سيقول لها أو ماذا سيكون شعوره تجاهها، بالتأكيد هو شخص سئ، سئ للغاية. لكنني لست سيئا. لماذا؟ لأن أمي ترى أنني لست سيئا. هي آمنت وبالضرورة أنا آمنت حتى وإن لم أفصح. أو ربما لأن الشدائد ربما تظهر معادن الأمهات، وأيضا لا أتمنى أن يكون هناك عيد للأب. حتى لا أقول شيئا، إن جاء أو إن كان موجودا، لا تذكروه أمامي.

التعليقات