أحمد عبدالعليم يكتب: مرض يعود للانتشار

 

 

في مباراة لكرة القدم في إحدى دول الااتحاد الأوروبي تشير الجماهير نحو لاعب كرة قدم أسود وهم يحملون في أيديهم "ثمار الموز" إشارة إلى أن اللاعب الأسود ينتمي لفصيلة القرود...

يرفض شخص مسلم تناول كوب من العصير في محل لبيع المشروبات الباردة لأنه اكتشف أن صاحبه "مسيحي" ...

رجل شرطة أمريكي يوقف شخصا ويتعامل معه بوصفه مجرما/إرهابيا لمجرد أن ملامحه تشي بأنه من أصول عربية ...

في ندوة عن التنوع الثقافي والإثني في السودان توصي صحفية بضرورة انتشال هذه المجتمعات من التخلف والعمل على إدخالها في التحضر والإسلام ...

في جلسة عائلية تسخر إحدى النساء السودانيات من "دينزلي واشنطن" وتنعته بالعبد ...

التشبث بعقيدة بوصفها مصدر الخلاص من كل الشرور في العالم، وتصبح العقائد الأخرى إحدى هذه الشرور ومن ثم يصبح معتنقيها من الأشرار، بل قد تمثل طقوس معتنقي مثل هذه العقائد وشعائرها مصدرا لانزعاج معتنقي عقيدة (الخير والخلاص)، وهو الأمر الذي يدعو الفئة المتميزة إلى هداية مثل هذه الفئات (الضالة) وقتالهم إن دعت الضرورة.

التشبث برباط مجموعة (عرقية) تحمل تاريخا (تشبثا مرضيا) لتصبح مبعثا للتباهي الوهمي، للحد الذي يجعل من هذه المجموعة العرقية أصل العالم، ومبدأ الحضارة، ومن ثم ضرورة الحصول على امتيازات.

ممارسة بعض أشكال القهر على فئة أخرى عادة ما تكون أضعف ليثبت لنفسه أنه (قوي)، ومن ثم يفتخر بنفسه، ويتباهى بقوته في مواجهة الفئات الأضعف. عادة ما يكون النساء والأطفال. أو عرقا يعتبره البعض عرقا أنقى في مواجهة آخر لا ينتمي لهذا العرق، وفي بعض الأحيان المختلفون عقائديا وعادة ما يمثلون أقلية، والمختلفون في اللون وخاصة من أصحاب البشرة (السوداء) إذ تمكن الفكر الاستعماري من تزييف وعي البشر للدرجة التي جعل لون البشرة البيضاء مبعثا للفخر ومصدرا للتباهي ...

كل هذا يعد رغبة في البحث عن ميزة يتشبث بها الشخص في مواجهة الآخر، من أجل السعي إلى إثبات أن هناك من هو أدنى درجة ليحتفظ لنفسه ببعض أسباب التفاخر، ومن ثم كثير من الامتيازات.

فالعنصرية تعني ضمن معانيها كل شعور بالتفوق أو سلوك أو ممارسة أو سياسة ...الخ، تقوم على الإقصاء والتهميش والتمييز بين البشر على أساس اللون أو الانتماء القومي أو العرقي، والاعتقاد بأن هناك فروقًا وعناصر موروثة بطبائع الناس و/أو قدراتهم وإرجاعها إلى انتمائهم لجماعة أو لعرق ما، ومن ثم تبرير معاملة الأفراد المنتمين لهذه الجماعة بشكل مختلف اجتماعيا وقانونيا. فهناك جماعات أوأعراق أدنى منزلة من جماعات أو أعراق أخرى.

ما الذي يدفع بعض البشر للقيام بممارسات عنصرية! هل هو الشعور بالحاجة إلى الحماية يجعلنا حذرين عند التواصل مع الغرباء أو المختلفين، لأننا نعتقد بأن في ذلك حماية لنا مثلما فعل أسلافنا في الماضي البعيد... هل هي غرائزنا التي تحكمنا. ففي مراحل تطور الإنسان الأولى عندما كان الانسان جامعا للثمار وصيادا، كان ظهور صياد آخر في نفس البقعة يعني انخفاض عدد الحيوانات والنباتات التي يمكننا الحصول عليها، فلو كانوا (أقرباء) فمن الممكن تقاسم الطعام، لكن أي شخص تبدو عليه علامات ثقافة مختلفة فانه من المرجح سيكون منافسا.

هناك أمراض كان المجتمع البشري بمؤازرة "العلم" قد تمكن من القضاء عليها، ولكنها مرة أخرى قد عادت للظهور ومن بينها العنصرية. وهناك أمراض اجتماعية تتسم (بالديموقراطية) إذ أنها تصيب الأغنياء والفقراء على حد سواء، على الرغم من تباين الأسباب، إلا أن أعراضها تبدو قريبة الشبه في الحالتين، فقد تصاب بعض المجتمعات الغنية أو بعض من أفرادها بداء العنصرية أو الفاشية، ربما نتيجة تهميش فئة من الفئات داخل هذه المجتمعات، وربما نتيجة نجاحات المجتمع في إحداث تقدم نوعي في مستوى رفاهية أفراده فيشعر بعض منهم بشعور مفرط بالتفوق على المجتمعات الأخرى، وهو شعور قد يبدو (عاديا) في حالة ما ظل حبيس أفئدة هذه الفئة من المجتمع، ولكن بعض من هؤلاء يتعدى الأمر دواخله ومكنوناته إلى ممارسات اجتماعية في مواجهة بعض المختلفين عنهم، تنم عن إحساس بالتعالي في مواجهة تدني درجة الآخر (المحتلف). وفي هذه المجتمعات (الغنية) قد يمكن تفسير مثل هذه الأمراض والوعي بأسبابها (ليس تبريرها قطعا) والعمل على علاجها أو تحجيمها والحد من انتشارها بطرق مختلفة، في بعض الأحيان من خلال التشريعات التي تمنع أية ممارسة بالقول أو الفعل من شأنها أن تدخل في أي من عناصرها الحض على الكراهية أو أي شكل من أشكال التمييز، وربما بالتوعية بطرق مختلفة لتعديل مفاهيم أو تبيان تهافت مثل هذه الدعاوى، ومن ثم تشكيل رأي عام في مواجهة هذه الفئة تجعل من الذين يدعون إليها منبوذين على المستوى الاجتماعي.

أما في المجتمعات الفقيرة - في البلدان الفقيرة - والتي عادة ما تكون قد تعرضت في الماضي القريب أو مازالت تتعرض لممارسات عنصرية - على المستوى الجمعي أو على المستوى الفردي –والتي تتضاءل فيها مستويات الرفاهية، بل تتضاءل فيها مستويات الحدود الدنيا للحياة،  يصبح اكتشاف أن بعض فئات هذا المجتمع تمارس مثل هذا الفعل أمرا محيرا ومدهشا حقا للوهلة الأولى، ولكن بالاقتراب من عمق المشهد الاجتماعي رويدا رويدا يصبح من الممكن تفسير هذه الممارسات العنصرية ومعرفة مكمن الداء وهو أمر يمثل أهمية كبيرة في محاولة العلاج. 

التعليقات