نشوى الغندور تكتب: عفوًا.. لا توجد أم مثالية!

 

الأم المثالية.. ذلك اللقب الذي يستفزُّني كل عام في عيد الأم، وأظل أبحث في وجوه الفائزات به عن أي اختلاف جعمنهن بطلات مثاليات يرتفعن على غيرهن من الأمهات بدرجة المثالية!

لم أجد في الشكل اختلافًا كبيرًا، فكثير من أمهاتنا خمريات اللون بيضاويات الوجه كسيرات العين ممتلئات الجسم يتّشحن بخمار إمَّا من السواد الحالك وإما من البياض الناصع.

فأين الاختلاف إذًا؟! وهل الأم طليقة الشَّعْر أنيقة الملبس مزيّنة الوجه لاتحلم أبدًا بهذا اللقب؟!

قيل إنها أم مثالية لأن زوجها وافته المنية... حسنٌ، إذا كانت الأم المثالية هي تلك الأم التي مات عنها زوجها وتركها تربي الأولاد بمفردها فماذا تكون إذا الأم التي اضطُرَّت إلى تربية أولادها وعَوْلهم وحدها وزوجها على قيد الحياة، ليست مطلقة بل يعيش زوجها معها في نفس البيت "لامنه ولا كفاية شره"؟! ألا تستحق هذه الأم لقب الأم المثالية؟

قيل إنها أم مثالية لأنها كسيرة ومضحية...

لماذا؟! أقولها صارخة مستغربة، هل الأم المثالية هي تلك الأم الكسيرة التي وجدت في تربية أبنائها شقاءً ووهنًا ووجب على المجتمع أن يكافئها على ذلك، أم هي تلك الأم القوية التي ربّت أبناءها وتعبت في ذلك وجوبًا ولزامًا لا تَفضُّلًا وإحسانًا؟!

الأم المثالية ياسادة هي تلك الأم التي ترى أنها آخرمن يستحقّ هذا اللقب!

أمَّا عن التضحية فكلنا يضحِّي بشكل أو بآخر، ومن الظلم أن نقيّم تضحيات الأمهات، فهذه تضحية كبيرة وتستحقّ، في حين أن تلك تضحية صغيرة ولاتستحق، فاختلاف شكل التضحية لا يجعل هذه أمًّا بدرجة مثالية وهذه أمًّا بدرجة مقبول.

قيل الأم المثالية هي من أعطت للوطن شهيدًا...

وهنا أيضًا أقف لأتعجب! والأم التي أعطت للوطن طبيبًا والتي أعطت للوطن معلِّمًا، مهندسًا، فنِّيًّا يتقن عمله، ودون ذلك الموت، أليست أُمًّا مثالية؟!

وإذا قلنا إن الفارق أنها فقدت ابنها ورغم الوعد من رب العالَمين أنهم أحياء عند ربهم يرزقون فإنه لم يعُد بحضنها تدفئه وتستدفئ به، فذلك أيضًا لايجعل منها أمًّا مثالية، فليست وحدها مَن فعل هذا من أجل الوطن؛ صديقتي مات وحيدها العشريني في حادثة شاحنة ممن يسيرون بلا قوانين رادعة في طرق الوطن، ألم يكُن هذا شهيدًا بسبب الوطن؟! ألا يجعل ذلك من صديقتي أمًّا لشهيد وطن؟! ألايجعل منها ذلك أمًّا مثالية؟!

الأم التي فقدت ابنها بمرضٍ اكتسبه من زرع الوطن المرشوش بموادَّ كيماوية أو هواء الوطن الملوَّث بالعوادم والغازات أو مياه الوطن المختلطة بالمعادن السامَّة ومخلَّفات البشر والصناعة، أليست أمًّا لشهيد وطن؟!

وطن قصَّر أوتخلف عن دوره في حماية زرع الوطن وهوائه ومائه لمواطنيه البسطاء فمات ابن لهذه الأم في حين يرقد لهذه الأم ابن آخَر طريح الفراش في مستشفى يعمل بالتبرُّعات لا على نفقة هذا الوطن حتى!

ألا تستحقُّ هذه الأم لقب الأم المثالية لأنها قدَّ مَتفلذة كبدها شهيدًا؟! ضحَّى هذا من أجل الوطن وضحَّى الوطن بذاك... الشهادة واحدة، لكن الاختلاف كبير!

نداء ورجاء إلى جميع القائمين على تلك الجائزة، لاتكرّموا أمًّا وتكسروا خاطر ألف أم، لا توجد أم مثالية وأُخرَيَات وصيفات بدرجات مختلفة، بل توجد أم، وأخرى مجرَّد وعاء.

التعليقات