هشام فتحي يكتب: حوار مع صديقي الشيخ المتحرش

 

أعرف أن شيخنا قد لبس العمة تظاهرا والجلباب القصير، أعرفه منذ أن كان يحرضني على النظر لسيقان الفتيات، وكنت أخجل من مجرد التعليق على كلامه أو التعقيب على تحريضه أو تحرشاته، كان يراني مهذبا زيادة عن اللزوم، يتعجب من أنني لا أطيل النظر في أجساد النساء ومراقبة ثنيات بناطيلهن الضيقة، ماكنت متدينا  أبدا ولامدعي تطقس، لكنني بالحقيقة ليست لدي تجارب نسوية بالمرة، ليس تأدبا مني ولا تفضلا، بل ربما كان لدراساتي البحثية المؤرقة وتجاربي مع أديان عدة ومذاهب وفلسفات، كان لها دورها في انشغالي بطريق آخر غير طريق الجنس، المهم، فوجئت بصاحبنا بعد غياب طويل عن الحي وقد تغيرت هيئته، طالت لحيته لتلامس الركبة، وقصر جلبابه لحد منتصف ساقيه، ينتعل نعلين صناعة باكستانية،  يسفران عن أصابع قدميه الغليظتين، وبيده اليمنى سواك سعودي، فوجئت بمنظره الجديد، وتذكرت بسرعة أنه  تزوج من أجمل فتاة بمنطقتنا، كانت محط أنظار الشباب والشيوخ، ولقد راود امرأة جاره عن نفسه فكانت فضيحته عظيمة، ثم انقطعت عنا أخباره سنين، سافر للعمل بالمملكة السعودية مدرسا للغة العربية، ولم ألتقه إلا اليوم، تعانقنا، وتعجبت بداخلي، أهذا الذي كان يحرضني على التحرش بالنساء بالأمس؟ إنه في هيئة الشيخ، ماذا دهاه؟ ماذا حدث له؟ لم أطل التفكير، ولم أشغل بالي طويلا بالبحث عن إجابات لأسئلتي، لقد بادرني شيخنا بالقول، اتق الله يا أخي، أما تزوجت حتى الآن؟ لماذا تترك نفسك وحياتك فريسة للشيطان؟ ألا تتق الله؟.

 تعجبت جدا،  وسألته، أأتق الله فيم ؟! ماذا تقول؟،  قال،  تقوى الله في كل حين يا أخي،  ليست لها مواقيت ولا أزمنة،  عليك أن تتق الله في كل زمان ومكان، أتعجبك هؤلاء السافرات؟ الكاسيات العاريات؟ أليس ذلك حراما بواحا؟ لماذا يتركهن النظام الكافر يسرن هكذا في الطرقات يغرين الشباب الغض، يحرضوهن على الرذيلة، لماذا؟ أراك موافقا أن يلبسن هكذا، اتق الله يا أخي،  أعلم أنك تنادي بالحرية منذ أن كنا بصفوف الدراسة،  أقسم بالله إنني لسوف أجعل موضوع حلقتي بالتليفزيون غدا عن دور المتبرجات السافرات في الإيقاع بالشباب ودعوتهم لارتكاب الفسق والرذيلة،  إن سفور المرأة له معنى وحيد يا أخي، ألا وهو دعوة صريحة للزنا وسبب رئيسي للتحرش والفسق، وأحمد الله على توبة تلك الفنانة المعتزلة منار البشلاوي واشتغالها بالإعلام الديني، تلك التى ستحاورني بالتليفزيون غدا،  بالله عليك لاتحدثني عن الحرية، أنها حرية يذمها الله ورسوله،  أين نخوتك؟ أين إسلامك؟

 نظرت له بشفقة، وأجبت، لن أسألك عن سبب تغيرك المفاجىء من النقيض للنقيض (علمت بعدها أنه نقيض ظاهري زائف)، لكن لتسمح لي أن أستفيض معك قليلا في البحث عن أجوبة لأسئلتك، قال تفضل،  وأخذ يستعيذ الله من الشيطان الرجيم ويتمتم ويبسمل ويحوقل بصوت خفيض، قلت، لا تخف، فلست شيطانا، لكنك سألتني بتعجب ظاهر،  وعلي أن أحترم شخصك، وأحاول الإجابة على أسئلتك، قدر علمي و قدر فهمي، أنظر يا صديقي،  ليس من حق أحد أن يفتئت على أحد في ملبسه،  فلكل شخص الحق أن يرتدي مايريد دون أن يؤذي غيره،  وبفرض أن ملابس بعض النساء أو كثير منهن تثيرك جنسيا أو تؤذي مشاعرك، فأين غض البصر؟ وهو أمر لاشك في شرعيته بالنص القرآني، يأمر المؤمنين أن يغضوا أبصارهم،  فلماذا لا تغض بصرك؟، أي صديقي.

 سأعرض عليك القضية بشكل معاكس، هب أن امرأة مصرية قد أثار شهوتها منظر ساقيك القويتين أو حرك مشاعرها شاب جميل الملامح،  مصفوف الشعر، تكاد عضلات ساعديه القويتين  تمزق أكمام قميصه،  بنطاله يبرز ماتحته ولايستر،  أتراها تهجم عليه  تحرشا وحضنا وتقبيلا أن أثارها وحرك شهوتها ؟! إن للنساء شهوة أيها الصديق، لكنهن أقوى منكم وأضبط مشاعرا أيها الرجال،  لم تشتك النساء يوما أن رأين شعر صدر الرجال ظاهرا بين فتحات القمصان،  لم تطلب النساء أن يتحجب الرجال أو يحتجبوا  حتى لاتثيرهن عضلاتهم وفتوتهم ورجولتهم ، أترى نسوتنا أقوى أعصابا وأشرف سلوكا منكم أيها الرجال ؟،  بمقياسك ياأخي،  عليكم أيها الرجال أن تتحجبوا،  ولم لا ؟ ألم تقرأ في سيرة ابن الخطاب أن أمر رجلا مليحا أن يقص شعر رأسه حتى لايفتن النساء ؟ لماذا لا تقص شعرك المنسدل تحت العمة ضفائرا؟ لا تقل لي أنها سنة مستحبة،  فسنتك تفتن النساء من خلفك،  لقد وردت أخبار عن أن رجال المسلمين الأوائل كانوا يتكحلون،  يضعون الكحل بعيونهم،  فلماذا لا تكتحل؟ لماذا لا تضع بجفنيك كحل النساء؟ أتشعر بالخزي أن تفعلها ؟

 صديقي إن الزمن قد تغير ودارت دورته،  وماكان يصلح بالأمس ماعاد يصلح اليوم،  وهب أنك استصدرت تشريعا بمجلس النواب حرم سفور المرأة المسلمة،  فهل يمكن تطبيقه على المرأة غير المسلمة ؟ وماذا لو رفضت النساء تطبيقه،  هل تجلدون النساء بالشوارع أن رفضن تشريعكم ؟ أعلم أن المادة الثانية من الدستور مادة فوق دستورية تنسف مواد الحريات نسفا،  لكن هل يمكن تطبيق الشريعة على من لايؤمن بها أوعلى من لاتؤمن بها ؟ إنكم إذن ستطبقون أحكام أهل الذمة على غير المسلمين،  وستطبقون الشريعة على المسلمين،  ستقسمون المجتمع قسما،  وستشطرون الدولة شطرا،  لكن ماذا عن الملحدين والملحدات؟ ماذا عن أولئك الذين لايؤمنون بدينكم؟ لا تقل أنك تجهل وجودهم، أتراكم تطبقون حد الردة عليهم ؟ هل ستمارسون جهاد الطلب وغزو الدول المجاورة لتستجلبوا الإماء والغلمان وتستلبوا الثروات وتخربون الديار؟ إن الأمر ليس سهلا ياصديقي،  إن الأمر جد خطير، هل تظن أن قوى كبرى تحكم سياسات دولتك المهترئة بشعاراتكم  تغطرش على الأمر وكأن مايحدث  بمصر لا يعنيها ؟ أفق يا أخي، ولاتطل التوهم والغفلة،  لكن فلنعد لموضوعنا الأثير، مايدريك أن تحت النقاب قديسة ؟ إنه إذا منع القماش الغليظ عيون الخارقين ذي الشهوة،  فلن يمنع القماش الغليظ شعور المنتقبة ذاتها بالجنس والشبق، ألا تعلم أن النقاب الآن يستخدم كدرء شرعي لكثير من الآثام والشرور؟  بالطبع لايمكنني اتهام كل المنتقبات بالإثم،  فمنهن الفضليات العفيفات،  ومنهن غير ذلك،  فلا يوجد مجتمع ملائكي في عالم البشر ياصديقي، عليك أن تنزل وسط البلد،  لتعلم كيف يستخدم النقاب أداة لتسهيل الدعارة،  لقد أردتم لهن الإختباء،  وقد كان،  فماعدنا نعرف الذكر من الأنثى تحت النقاب.

 بدا لي وكأن صديقي الشيخ قد اقتنع بجوابي،  قال،  حسنا،  إن لنا جولة أخرى لنستفيض في الأمر شرعيا،  دعني بعض الوقت لأستفتي شيخي فيما قلت،  ودعني بتحيته وودعته على أمل اللقاء،  ثم سار متثاقل الخطى،  لكنني رأيته يسرع فجأة وكأنه تذكر  موعدا هاما للتو،  لقد دلف بسرعة داخل مبنى الأمن الوطني الكائن في آخر الطريق،  هذا المبنى المخيف الذي نخشى جميعنا الإقتراب من سوره الرهيب،  فالداخل له مفقود والخارج منه مولود،  ويالدهشتي العظمى، ماهذا الذي أراه ؟ إن الضابط الكبير،  ضابط الأمن الوطني يحتضن شيخنا ويعانقه عناق الأخلاء الأحباء،  وياللمفاجأة،  فلقد علمت  أنهما نسيبان قريبان،  فالضابط الكبير متزوج من أخت صديقي، أقصد أخت شيخي، هذا بعد أن حل  قادما من السعودية ، ليتشاركا في مشروع تجاري كبير، عدت أدراجي لمزلي،  كان التليفزيون المصري يذيع خبر حبس صديقنا المستنير على ذمة قضية ازدراء أديان سبع سنين.

 

التعليقات