هشام فتحي يكتب .. العلمانية بين مصطلحي " الكفر" و "الكشف"

يطيب للملايين في مجتمعاتنا الإسلامية ، صفوة وعواما ، استخدام مصطلح " الكفر " كقرين لمصطلح " العلمانية " ، فهل كانوا صائبين ؟ ، هل العلمانية مرادفة للكفر ؟ ، ماهي العلمانية إذن ؟ وماهو الكفر ؟ ، من السهل اقتباس المصطلح الكبير للفيلسوف الرائد مراد وهبة في تعريف العلمانية ، وهو النظر للمطلق بما هو مطلق والنظر للنسبي بما هو نسبي ، تعريف عميق ، فلسفي ، لن يطيب لكثيرين فهمه ، لكن هذا لن يفت في عضد صحته وعلميته وصلاحيته بنظري ، ولكن هناك تعريفا أكثر شيوعا للمصطلح وهو فصل الدين عن الدولة ، تعريف بسيط غير فلسفي ، يمكن فهمه لكثيرين ، لكنه للأسف عرضة لتلويث معناه وتشويهه من رجال الدين ، وبالأخص رجال الدين المسلمين ، إذ أشاعوا وسط العامة ، بل والخاصة أيضا ، أنه مصطلح يروم إشاعة " الكفر " وسط المجتمع الإسلامي ، ويهدف لإسقاط الشريعة الإسلامية ، ويبغي " الكفر"  بما انزل الله ، والحكم بشرائع " الكفار " ، فهل هذا صحيح ؟ .  يقينا هناك تلاعب بالمصطلحات وتجهيل لها أو جهالة كما أرى ، لذا فلتسمحوا لي بتجريب تعريف متواضع ل " العلمانية " أقترحه لكم قد يفك الإشتباك بين حرب المصطلحات هذه ويحررها ، ويعيد حشو محتواها بطريقة واضحة ، إسمحوا لي أن أجرب تعريف  " رفع أيدي علماء الدين عن العلوم الدنيوية " كتعريف لمصطلح العلمانية ، فماللدنيا وعلومها يقوم عليها ويفهمها المتخصصون والدارسون لا رجال الدين والشريعة  ، ولحد علمي أن السياسة علم والإقتصاد علم والإجتماع ، يتم تدريسهم في كلية الإقتصاد والعلوم السياسية بمصر وبالمنطقة الناطقة بالعربية ، أما علوم الشريعة الإسلامية فيتم تدريسها بجامعة الأزهر الشريف ومعاهدها المتفرعة إضافة لعلوم الدنيا ، يتم تدريس هذه الخلطة العجيبة بين علوم الدين والدنيا لرجال الدين ، والعجيب أن المادة السابعة من الدستور المصري تجعل للأزهر حقا حصريا لدراسة الإسلام والدعوة  دون سواه ، لكن لم يخصص الدستور مادة مقابلة تحصر تدريس علوم الدنيا ونشرها على المتخصصين المتعلقين بها دون مشاركة رجال الدين ، ماجعل للشيخ حقا ( شرعيا )  في الإفتاء في علوم الدنيا ، وجعل للدارس العلماني والمتخصص حظرا لأن يدلي بدلوه في علوم الشريعة وقد يكون دارسا أريبا لها . نروم فك الإشتباك ، وتحرير المصطلحات ، والتزايل بين التخصصات . إن وضعا مجتمعيا مقلوبا كهذا ، بفعل فاعل ، بفعل سياسي من السلطة ، أعطى حقا وسلب حقا ، بالأحرى سلب من العلماني حقا أعطاه للشيخ ، مااتاح الفرصة للشيخ في تثبيت مقولاته بين العامة والخاصة أن العلمانية مرادفة للكفر ، يقولها الشيخ دفاعا عن دستوره ونفوذه ومصادر تمويله ، والأخيرة ضمنتها له النص السابع من الدستور المصري أيضا ، فللازهر الحق الحصري للدعوة للإسلام  وعلى الدولة تمويل أنشطته الدينية محليا وعالميا ، ياله من نفوذ . لكن بالمقابل نقول ، إن العلمانية ليست مرادفة للكفر ، سيما ولقد أفضنا من قبل - في مقالات سابقة - في تحرير مصطلح " الكفر " وفككناه على مستويين ، المستوى الأول لغويا ، والثاني مصطلحيا ، فلغة " الكفر " بقواميس اللغة لاتعني إلا التغطية والإخفاء ، ولقد ضرب القاموس العربي مثال الفلاح الزارع ، هو يخفي البذرة بالأرض ويغطيها أن تنبت وتزهر ، فليس في الكفر كلغة أي معنى ديني مخصوص بالإدانة أو اللعنة أو الطرد من رحمة الله ، ومصطلحيا ، قلنا مرارا أن رجال الدين المسلمين ، قد استخدموا اللفظة على غير معناها اللغوي عامدين ، إذ أثبتوها في شروحاتهم وتفاسيرهم بمعنى " رفض الإسلام " ، وهو استخدام عجيب ، فمالكفر البذرة بالأرض ورفض الإسلام ؟! ، هم ينعتون أي مفكر ، علماني ، باحث ، مستشرق ، مقارن أديان ، ينعتونه ب " الكفر " إذا كشف حقيقة ما في سير بحثه وتجواله ، هو" يكشف " ينعتونها بهو " يكفر" ، قلبوا المصطلحات رأسا على عقب ، إما جهالة أو عمدا ، فلغة البحث الكشف وليست التغطية ، جعلوا الكاشف كافرا ، ولم يكفر بشيء ، لم يخف شيئا ، لذلك أفضل استخدام مصطلح " الكشف " بديلا عن " الكفر " ، فماالكفر إلا رفض الحق والحقيقة ، وماالباحث عندي والدارس المتخصص إلا كاشفا للحق وليس كافرا به ، معريا الحقيقة ، ما كفر من كشف ، ومهمة علوم الدنيا الكشف ، قديما ، رمى باباوات الكنيسة الكاثوليكية المكتشفين المخترعين العلماء ، علماء الدنيا ، رموهم بالهرطقة والتجديف ( الكفر في المصطلح الإسلامي ) ، قتلوهم ، حرقوهم ، لكن ماذا حدث بعد أن انتصرت " الثورة الفرنسية " وأعطت علوم الدنيا لأهل الدنيا وسحبتها من حوزة رجال الكهنوت ؟ ماذا بعد أن اعترفت " الثورة " لعلماء الدنيا بحقهم في علومها ومباحثها ومساربها ؟  ماذا حدث ؟ ماذا حدث بعد أن عاد رجال الدين المسيحي لمواقعهم الملائمة لدينهم  ، عادوا لكنائسهم وأديرتهم ؟ ماذا حدث ؟ انتصرت أوروبا ، انتصرت الشعوب ، وسادت أوروبا العالم علما وتقنية وثقافة وسياسة ، نروم هذا في منطقتنا البائسة ، حيث اشتباك القوات على أشده ، أقصد اشتباك المصطلحات واشتباهها على الغالبية ، عواما وصفوة ، إن  الطريق وعر ، لكن خريطته معلومة ، معلومة للمتخصص والدارس ، ومعلومة لأهل السلطة كذلك ، والسؤال ، هل من حق العلماني الدارس لعلوم الدنيا أن يدلي بدلوه في علوم الدين ؟ بلاشك لو خبرها ودرسها وعركها ، فمادام الإسلام معروض علي أنا العلماني لكي أؤمن به وأتخذه طريقا لحياتي وسندا لما هو آت بعد مماتي ، فليس علي إذن إلا دراسته ، خبره وعركه ، فلايعبدن الله بجهل ، ولي الحق إذن أن أقبله أو لاأقبله ، لي الحق أن أؤمن به أو لاأؤمن ، وفي القرآن " أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين " ؟! ، إذ يتعجب الله من سلوك كثيرين بفرض الإيمان على الناس فرضا وهو مستحيل ، أعلم أن كثيرا من المشايخ سينتصبون معترضين ، وحجتهم ان الآية قد تم نسخها ( إلغاء حكمها ) بسورة التوبة ، لابأس ، تريدون فرض الإيمان فرضا ، وتنعتون رافضه بالكفر ، لكنني أرفض استخدام لفظة " الكفر" كنقيض  للفظة " الإيمان " ، فالكفر ليس مقابلا  للإيمان كما أثبتنا بمقارنة اللفظة بين اللغة والمصطلح . إن حرب تحرير المصطلحات ليست حربا سهلة في منطقتنا ، سنتكلف الكثير ، نفوسا ، وجهودا ، ومالا ، وحياة ، سنقع في مشاكل لاحصر لها حاليا ومستقبلا ، لكن من قال أن طريق الحقيقة سهل يسير ؟  لاالعلمانية كفر ، ولارافعوا لواءها يرفضون الدين . فقط حرروا مجالات عمل كل منهما ، فكوا الإشتباك ، وحرروا المصطلحات ، تضع الحرب اوزارها ، ويعم السلام. 

التعليقات