رباب كمال تكتب: هنيئًا للعابثات...في يوم المرأة

إنهن عابثات، والبلاد لا تحتمل في هذا المنعطف التاريخي أي قلاقل أو خزعبلات من هذا النوع. 
كانت هذه كلمات  ُنشرت بتاريخ 16 مارس 1954  يوم المرأة المصرية في جريدة الجمهورية، ردًا على الاعتصام النسائي في نقابة الصحفيين والذي طالبت فيه المعتصمات بحق التصويت والترشح  أثناء كتابة دستور البلاد الجديد.
كان على رأس الاعتصام والإضراب عن الطعام الذي بدأ في 12 مارس  بنقابة الصحفيين: الحقوقية درية شفيق ( 1908-1975)  والشاعرة  أماني فريد (1922-2005)  والصحافية والحقوقية منيرة ثابت ( 1906- 1967) وغيرهن.
كانوا هؤلاء على رأس العابثات كما تم وصفهم بالمقال الذي يحمل نفس الاسم .
لكن يا ُترى من كتب هذا المقال ؟ هل كان رجل من رجال الأزهر الذي رفض في فتوى رسمية عام 1952  حق المرأة في الترشح والتصويت واتهم النساء بالرغبة في الاختلاط  التردد على الوزرات والمؤسسات وقاعات البرلمان ؟!! لا لم يكن الأمر كذلك.
من وصف هؤلاء النساء المعتصمات المناضلات بالعابثات.. كان عميد الأدب العربي طه حسين!
نعم، عميد الأدب العربي الذي كان يومًا رمزًا  من رموز التمرد المدافعة عن الحريات.. كان هو ذاته من وصف النساء المطالبات بالمساواة السياسية بالعابثات.
واستطرد طه حسين في مقاله المعنون بـ "العابثات" قائلا أن الإضراب غير مسئول ولا يأتي إلا للفت الأنظار وكسب مساحات شهرة على حساب القضايا الوطنية وأن البلاد لا تحتمل هذه السلكويات الفجة في ظل الاحتلال البريطاني الذي لايزال متواجدا في مدن القناة .
رد على طه حسين عدد من الصحفيين وانتقدوه شر انتقاد، من بينهم الصحفي حسين فهمي والصحفي عميد الإمام، إلا أن المقال الذي كتبه الصحفي أحمد بهاء الدين في مجلة روزاليوسف بعنوان "الصائمات" وصدر بتاريخ 22 مارس 1954 كان هو المقال الذي حمل انتقادات لاذعة لطه حسين
استهل   أحمد بهاء الدين مقاله قائلا "حتى طه حسين، صاحب الدفاع القديم عن الفتاة فى دخول الجامعة، وصف صيام السيدات بأنه عبث"
ثم سددت درية شفيق اللكمة القوية المباشرة  لطه حسين في مقالها "طه حسين وعجائز الفرح" دافعت فيه عن الإضراب ورفضت ما  قاله طه حسين بأن الإضراب والدفاع عن حق المرأة المصرية في تمثيلها في الدستور بالتمثيلية رخيصة و اتهمته اتهامًا صريحا بانحيازه للسلطة حسن كتبت هذه السطور
فإذا سمح الدكتور لنفسه أن يسمى موقفنا تمثيلا فى تمثيل، فكيف يسمى إذن موقفه الشخصى الذى عندما كان بعيدا عن مقعد الحكم والسلطان تكلم عن المعذبين فى الأرض، وأسهب فى الكلام حتى ما إذا قفز به كلامه إلى مقعد الحكم والسلطان اندفع يمدح الطاغية والطغيان، ويرفعه فى أواخر أيامه إلى مصافّ الآلهة والقديسين.

ولم يجد عميد الأدب العربي طه حسين منفذًا لنفسه سوى أن يكتب مدافعًا عن نفسه وعن تاريخ دفاعه عن الحرية بشكل عام وحقوق المرأة في التعليم ودافع قائلا ومذكرًا زعيمة الإضراب نفسها "درية شفيق" أنه ساندها في السفر للخارج في بعثة إلى فرنسا لنيل درجة  الدكتوراة في ثلاثينيات القرن الماضي.   
وقبل أن نسمع أطروحات بأن الضباط الأحرار كانوا قلبا وقالبًا مع حقوق المرأة في التصويت والترشح.. علينا أن نرد بأنه في هذه الحالة  لما كانت النساء أصلا اعتصمن في نقابة الصحفيين وما كان  لأنور السادات عضو مجلس قيادة الثورة (الرئيس المؤمن مستقبلا)، لينتقد الإضراب ومطالب الحركة النسوية في مجلة "صوت التحرير"، وهي لسان حال النظام في تلك الآونة   حين كتب: " المرأة المصرية كما أتمنى أن تكون، فإنني أتصورها زوجة مثالية تستطيع أن تحمل العبء الذي حملته جدتي فتسعد زوجها
لكن فشلت كل مساعي كبح جموح هذه المطالبات المشروعة وقرر الضباط الأحرار منح المرأة هذا الحق قانونًا عام 1956 ليس منًا منهم ولكن بسبب الضغوطات التي مارستها مجموعة من النساء والتي ولدت لدى الحكام الجدد ضرورة التوافق معها على سبيل كسب المرأة كظهير شعبي في المستقبل.. وهنيئًا للعابثات اللاتي انتصرن في معركة من معارك المساواة.
لكن ما كتبته درية شفيق في مقالها "عجائز الفرح" فتح لي بابا من التفكير في علاقة المفكر والمثقف  بالسلطة وكيف يتحول المدافع الثائر المتمرد عن الحريات إلى موقف التبرير بل وشن هجوم على كل من ينتقد السلطة، أليس هذا ما نشهده الآن (بدون تعميم)، ألا نجد أصوات بعض  المثقفين والإعلاميين  الآن ممن ثاروا للحرية في مواجهة الإخوان وهم  يبررون الآن موقف السلطة في قضايا مرتبطة بكبت الحريات وتقويضها وتكميم الأفواه.
اتهم طه حسين النساء المناضلات بالعابثات والرغبة في كسب الشهرة على حساب الوطن وعدم تقدير الظروف التي تمر بها البلاد ووصف الأمر بالسلوكيات الفجة، أليست هذه المرادفات التي نسمعها الآن من بعض المثقفين والإعلاميين ردا على أي تظلمات؟ 
هل معنى ذلك أن المثقف عليه الانحياز للمعارضة؟ لا، لأنه ليس بالضرورة أن المعارضة بعقلها الجمعي تنحاز للحريات، فسنجد في مصر معارضة تؤيد قضايا الحبس في قانون أسموه ازدراء الأديان وستجد بعض المعارضين رافضين لحق المرأة في المساواة في حق  الطلاق المدني أسوة بالرجل الذي يتمتع  بالولاية قانونا حسب الشريعة. 
ليس بالضرورة أن ينحاز المثقف لا للسلطة ولا للمعارضة وإنما ينحاز لقيمة الحرية وقيمة المواطنة في المجتمع.
لم يجني طه حسين وهو المفكر الكبير أي شيء من موقفه المناهض لمن أسماهم بالعابثات فهو كان منتصرًا لضباط يوليو وبرر لهم ما لم يبرره في عهد الملك فاروق.. لكن  لربما يشفع له تاريخه المديد 
متى يتعلم السادة المثقفون المداهنون للسلطة الآن المبررون لأفعالها ومواقفها السياسية والاقتصادية على طول الخط- حتى و ان انتهكت الحريات أو تسببت في إفقار فوق إفقار-  من درس طه حسين!  متى يتعلمون أن المثقف الذي يهرب من استبداد الإخوان لا يجب أن يبرر استبداد غيرهم. 
 

التعليقات