وسام عبد القوي تكتب شاهندة مقلد ..امرأة كل العصور

"إيش لون سجن القناطر.. إيش لون السجانين"

حين يُذكر مارس تُذكر المرأة، ومنذ أيام قليلة مضت احتفل العالم بعيد المرأة الذي خُصص له الثامن من مارس كل عام لرصد معاناتها وإنجازاتها التي لا تنتهي والتذكير بحقوقها المهمشة، وتاريخ تخصيص هذا اليوم يعود إلى التظاهرات التي خرجت فيها نساء نيويورك للمطالبة بحقهن في الإقتراع، وتخفيض ساعات العمل ووقف تشغيل الأطفال، حاملين الخبز اليابس والورود.

 وفي الوقت الذي قررت فيه مؤسسة "نظرة" إلقاء الضوء على المدافعات عن حقوق المرأة وأطلقت حملة "مباشر من الماضي"، قررت التدوين عن إحدى النساء اللاتي دافعن عن الإنسان وليس المرأة فقط.

إمرأة استطاعت فرض نفسها في وقت كان المجتمع يعامل النساء فيه تبعآ لـ "وقرن قي بيوتكن"،  فرضت نفسها في إحدى قرى الريف المصري التي يحظر فيها الإختلاط، ولا تسمع للنساء فيها أي صوت، بل إنها اقتحمت مجال العمل السياسي الذي يحتكره الرجال في الأساس.

لا يجوز أن نتحدث عن نضالات النساء ونغفل تلك القامة النسائية التي تصدرت المشهد السياسي في مصر في مختلف الفترات، إنها بنت المنوفية وليدة الريف... شاهندة مقلد إمرأة كل العصور.

"النيل عطشان يا صبايا.. يا شاهندة وخبرينا، يا أم الصوت الحزين، يا أم العيون جناين، يرمح فيها الهجين، إيش لون سجن القناطر، إيش لون السجانين، إيش لون الصحبة معاكي."

هكذا رأها الشاعر أحمد فؤاد نجم في قصيدته التي كتبها من سجن الإستئناف أثناء اعتقالات سبتمبر.

 

مشاهد

 

 

1938 في منزل القائم مقام عبدالحميد مقلد ابن عمدة قرية كمشيش تعالت الصيحات لتعلن قدوم شاهندة.

 

 

البنت تنشأ في منزل الأب فيه ضابط وطني يميل لحزب الوفد والأم متعلمة مثقفة.

 

داخل إحدى فصول المدرسة الإعدادية بمدينة شبين الكوم، تلتقي شاهندة بـ "وداد دميتري" المعلمة الشيوعية، تنجذب شاهندة لها وتريد أن تعرف ماهي الشيوعية؟، لتجاوبها وداد بكتاب "أصل العائلة".

حصلت على شهادة إتمام المرحلة الإعدادية، ثم يتوفى والدها وهي في السادسة عشر من عمرها وبذلك تنقطع عن الدراسة.

 

صلاح حسين ابن عمة شاهندة ذلك الشاب الثوري الذي شارك في حرب 1948 في فلسطين، وفي 1951 في القنال، وشكل كتيبة للمقاومة الشعبية من مزارعي كمشيش لمقاومة العدوان الثلاثي على مصر 1956.

 

تتعلق شاهندة بصلاح الذي يكبرها بـ10 سنوات وتتزوجه، رغم معارضة الأسرة.

 

الزوجان اليساريان اندمجا وتوحدا مع الفلاحين ومشكلاتهم، يقررا الوقوف في صف الفلاحين ضد العائلة الإقطاعية الأكبر والأقوى في هذا الوقت عائلة "الفقي"، وبعد سجالات يدفع صلاح حياته ثمنآ لدفاعه عن الفلاحين ويُقتل على أيدي تابعون لعائلة الفقي.

 

 

 

 

التف الفلاحون حول شاهندة المرأة التي ساندتهم حتى بعد مقتل زوجها واستطاعت أن تكون لها الكلمة المؤثرة في كل القرية.

 

"لا تشوهوا الثورة بمهادنتكم الاقطاع"  قالتها في خطابها لجمال عبد الناصر، وخاضت معارك كثيرة في هذه الفترة الرئاسية حتى تم القضاء على الإقطاع، حتى أنها أوقفت موكب جمال عبدالناصر وجيفارا ودعتهم لزيارة كمشيش.

 

 

 

 

تشكل شاهندة لجنة من فلاحي كمشيش في 1967 وتذهب إلى بورسعيد للإنضمام للمقاومة الشعبية هناك مع بدء النكسة.

 

وزير داخلية السادات يحاصر كمشيش ويهدم النصب التذكاري لصلاح، ويصدر قرار بنفي 20 شخص خارج القرية وأولهم شاهندة لمدة استمرت 5 سنوات، حتى حسمتها المحكمة.

 

اعتقلت شاهندة مرتين في عهد السادات، أولهما في السبعينات بتهمة الإنضمام إلى تنظيمات سرية، وطالتها اعتقالات سبتمبر1981 التي شنها السادات للمعارضين للسلطة.

 

رفضت اتفاقية كامب ديفيد التي وقعها السادات، واعتقلت على إثرها.

 

لم تخلع الملابس السوداء إلا بعد إغتيال السادات.

 

انتقدت سياسات مبارك ورفضت تزاوج السلطة بالمال، شاركت في مظاهرات مع حركة كفاية، حتى شاركت في مظاهرات ثورة 25 يناير 2011.

 

بعد صعود الإخوان المسلمين للحكم في 2012، انضمت للإحتجاجات التي نُظمت أمام القصر الرئاسي في الإتحادية، واعتدى عليها أحد عناصر الجماعة وحاول تكميم فمها وصفعها على وجهها في مشهد تداولته الصحف العالمية

 

لم تخسر شاهندة أي حرب أو معركة خاضتها، حتى 2 يونيو 2016 أغمضت شاهندة عيناها للمرة الأخيرة بعد أن خاضت حروبآ كثيرة مشرفة أخرها مع المرض.

 

السطور القليلة الماضية هي مجرد مشاهد من حياتك التي لن أقدر أنا أو غيري ولا مئات الصفحات أن تحتويها، لكنها للتذكرة حتى لا تندثر الأسماء وتُنسى المواقف، حتى لا يمر مارس دون التذكير بك.

سيرتك ونضالك سنورثهم لبناتنا، سنرضعهن  حب الخير والسلام والحق، سنعلمهن المواجهة والإستماتة في الدفاع، سنربيهن على عدم الخوف وفرض الوجود أمام الدولة إذا كانت الظالم، سنقول لهن أمكن شاهندة مرت من هنا وتركت بصمتها هنا وهنا وهنا، قدمت العمر والحرية والحب في سبيل الدفاع عن قضية عادلة في وطن غير عادل.

سنخبرهن أن حقوقهن لا تتعارض مع حقوق الأخرين، أن الحقوق لا تتجزأ، وأن الدفاع عن القضايا يتبع الأولوية، أن الإنسان إنسان مرأة كان أو رجل.

أم الثوار... نصيرة الفلاحين...نوار البساتين، أيتها المرأة التي فرضت نفسها على الجميع، ثائرة كل الأنظمة، يامن ساندتي المظلوم والمستضعف، ووهبتي حياتك وعمرك لمنع ظلم أو إزاحة أذى عن فقير، من قلب مثقل بالهموم لكي مني السلام.

 

أتمنى أن تكون معاركك وحروبك هدأت الآن، ووجدتي وقتآ للراحة، بعد أن تركتي إرثآ من النضال الذي نحاول السير على خطاه.

التعليقات