محمد هلال يكتب : أيقونة غير مكتملة

 

الكتابة عن ماهينور صعبة، خصوصا إن كنت مثلي معجبا بها. تلك الصعوبة في الكتابة لا تأتي من محاولة فهم الصورة الأيقونية، المصنوعة لها بعناية، بإرادتها أو بغير إرادتها، فمحاولة فهم أيقونة ما تستلزم اكتمالها، واكتمال الأيقونة يستلزم زوال صاحبها، أن يكون قد قال كلمته الأخيرة ورحل، تاركا لنا، نحن أنصاره، أن نتأول عليه، نشكله كيفما أردنا، لصالحنا نحن، لا لصالح حقيقته هو كما أرادها لنفسه.

 

لا شك أن إعجابي بماهينور يحمل بداخله إعجابي بموقفها النضالي، خاصّة ضد سلطة مبارك ما قبل ثورة يناير. الإعجاب بنموذج الفتاة الجريئة المستقلة المناضلة. الا أن هذا الجانب يظل جزءا من كلّ أعمّ. إعجابي الحقيقي بها نابع من تضارب طرق عيشنا في الحياة، إعجاب الضد بضده، المتشكك بالواثق، الهامشي بالمركزي، من يستمتع بمشاهدة الحياة بمن يعيشها بكل جوارحه، إعجاب مشاهد السينما بالبطل علي الشاشة.

 

هذا التضاد في طرق عيشنا ليس مردّه جبنا مني أو تهورا زائدا منها. فقد شاركتها، كما المئات،غيري من فتيات وفتيان الوطن أغلب التظاهرات السلمية وغير السلمية التي مارسنا فيا أقصى درجات العنف المشروع، عنف الدفاع عن النفس، ضد السلطة.

 

لكن مرده ربما ملكات نفسية تجعل أحدهم واثقا ومؤمنا أشد الإيمان بأفكاره، وآخر مترددا دائما في صياغة فكرة ما حدّ الاكتمال، أو ربما كاريزما قدرية جعلت منها شخصا مركزيا، ودفعتني للوقوف على الهامش لأشاهد، باستمتاع، الأبطال وهم يؤدون أدوارهم الحياة.

 

أن تكون مركزيا يعني أن تكون محور نقد دائم من الآخرين. القليل من النقد الموضوعي والكثير من الغيرة والحسد. مركزيتك تلزمك بقواعد آداء معينة في الحياة، بسلوكيات محددة لا تضر بالفكرة التي أنت أيقونتها.

 

كثيرا ما أشفق على ماهينور من وجودها الدائم في بقعة الضوء، حرمانها من ركن خافت الإضاءة تفكر فيه مليا في حدث آن، أو تراجع أفكارها، أو حتى أن تكون مجرد فتاة اسمها «ماهينور .»

 

لا تستهويني فكرة الأيقونة أو النموذج المثال. لا أحب القوالب الصلبة الجامدة.

 

أفكر كثيرا في ماهينور هذا النموذج الإنساني الرحب الذي تم تقييده في بدلة حديدية، كيف تفكر؟ كيف تشعر ؟ كيف تتعامل مع مشاعرها؟ ما إمكانية نجاح علاقة عاطفية إن هي أعجبت بشاب ما؟ هل من الممكن أن تجد شخصا لا يغار من تلك النجومية؟ أن يلعب دورا ثانيا احترمناه دائما لزوجات المناضلين، ولم نر مثيلا له بين الرجال في مجتمعاتنا؟

 

أذكر مرة وحيدة رأيتُ فيها ماهينور في حدث غير ثوري، كان افتتاحا لساحة ثقافية شبابية من تلك الساحات التي ازدهرت في مساحة الحرية التي اكتسبناها - ولو مؤقتا- بعد يناير. كانت، تلك السمراء الجميلة، ترتدي فستانا أسود قصيرا مكشوف الكتفين، كانت، فتاة جميلة تزهو بأنوثتها، وردة تورق وتزدهر، ككل الجميلات، بنظرات الإعجاب من حولها. كانت حيّة وحرّة.

 

أقرب وصف لماهينور كما أحب أن أراها كان في بعض أبيات من قصيدة لشاعر تركي اسمه «أورهان والي » يقول:

 

لم تكن امرأة فقط، ولكنها كانت إنسانا.

 

لم تكن تتصرف بحماقة بعد النزوات

 

ولم تكن شغوفة بالبضائع والمجوهرات

 

قالت: «لو أننا أحرار ؛»

 

قالت: «لو أننا متساوون .»

 

عرفت أيضا كيف تحب الناس

 

بالطريقة التي عشقت بها الحياة.

 

هذا النص من كتيب "وجوه في المدينة"، وهو نتاج حلقة أمكنة 2 والتي خُصصت لكتابة البورترية تحت إشراف الشاعر والروائي علاء خالد. بالتعاون مع مركز الجزويت الثقافي بالإسكندرية.

 

 

التعليقات