قصي أسعد يكتب: مشاعر غير مبوبة

 

في ذاك الوقت الذي بات فيه المسير في هذه المدينة مخيفًا، لجأ إليّ صديق يدعى لؤي، أعلمني بأن أصدقائنا السوريين كُتفوا في سجن الدخيلة أثناء محاولتهم ركوب البحر باتجاه إيطاليا حيث نصب لهم خفر السواحل المصري كمينًا وتمكن من القبض عليهم.

آنذاك، كانت الدولة المصرية تتأرجح يمينًا ويسارًا وتدور بين أياد لانراها، فمدينة السادس من أكتوبر بالتحديد، كانت تخضع لسيطرة عصابات مختلفة تروح وتجول في هذه المدينة، فلا يمر يوم إلا ويأتينا نبأ لاختطاف أطفال، أو عمليات احتيال عبر انتحال صفة مؤسسة أمنية.

أخبرني لؤي بأن أصدقائنا يحتاجون لمن يتواصل مع المهرب المتعاون في «أكتوبر» ليعيد لهم المبالغ المدفوعة، فالاتفاق فيما بينهم يُلزم بتجنيب تلك المبالغ عند جهة ثالثة، ولا يسلم لمهرب البحر، إلا بعد نجاح العملية. وبما أن العملية فشلت، فكان علينا أن نتواصل معهم في مدينة أكتوبر، بغية استرجاع هذا المبلغ وإيصاله لأصحابه في سجن الدخيلة.

لم يكن الأمر سهلًا، أن تذهب في هذا الليل إلى منزل المهرب، وخصوصًا أننا لم نره قط، ولانعرف عنه شيئًا. كان علينا أن نقابله في مكان ناء، ونستلم منه مبلغ 15 ألف دولار أمريكي، ونضعهم في جيوبنا كما لو أننا نضع بضع جنيهات، وهذا ماحصل.

كان ذاك الطريق بعيدًا عن مركز المدينة، وكنا بالكاد نرى أنفسنا في ظلمة هذا الليل، باستثناء لحظات انعكاس أضواء «التكاتك» التي تعترضنا بغرض ظاهره التوصيل، إلا أننا رفضنا صعود أي منها، خصوصاً لو كان التوصيل بالتكتك حيلة للسطو علينا.

اتجهنا فجرًا لمدينة الإسكندرية، وصلنا عند سجن الدخيلة، وقعدنا القرفصاء أمام باب السجن، حتى سمح لنا الحرس بالعبور لباحة السجن الخارجية.كانت الباحة شبه فارغة، لاشيء يلفت النظر، إلا من فتاة تبدو وكأن النعاس أرهقها فنامت بوجهها على ركبتيها عند تلك الزاوية المواجهة لنا. اقتربنا منها أكثر، ربما هي من أقرباء أصدقائنا الموقوفين. رغبنا بالحديث إليها، ربما قد تفيدنا بمعرفة مواعيد الزيارة، وتريحنا من هذا الانتظار الطويل. اقتربت أكثر وانحنيت إليها سائلًا: أين أجد هؤلاء المسؤولين عن الزيارات، فلم يجيبنا أحد منذ ثلاث ساعات؟ سألتني: هل أنتم هنا من أجل السوريين؟ أجبتها بالإيجاب. فعرفتنى بنفسها، بأنها ناشطة حقوقية وتتابع قضيتهم من لحظة وصولهم، وأنها ستساعدنا في ترتيب زيارتهم.

كانت متوترة وواجمة لكنها تظهر الهدوء وتدعي مفرداته. كانت وحيدة لايرافقها أحد، ويبدو شيء ما أنه يقلقها. لم تتحدث كثيرًا، بدأت تأخذ وضع المضيفة، تحاول تسليتنا بعد أن علمت أننا ربما سننتظر خمس ساعات لأجل هذه الزيارة.

رجعتْ من عند الضابط المناوب في مكتبه آخر الساحة، وجلست بجانبنا تحدق باللاشيء. أمالت رأسها باتجاهنا بعد أن سرحت لساعة في طاولة خشبية مهترئة. بدت وكأنها قررت إعلامنا بدورها المجهول في هذه الساحة، من أنت؟ وماذا تفعلين؟ ولماذا تبدين هنا كسجينة، ترتدين هذه الملابس المتربة ولا تأبهين، كم يومًا مكثت هنا؟ أعلمتنا بأن سيدات سوريات، وأطفالهن، تم القبض عليهن أيضًا من قبل خفر السواحل، وتم احتجازهن مع أطفالهن، في غرفة ضيقة جدًا داخل هذا السجن، تحوي أُخريات عليهن أحكام جنائية، وهي تسعى لأن تنقلهن لمكان آخر، لكنها لم تلق ردًا إيجابيًا إلى الآن.

كان خبرًا سيئًا ومفجعًا، نساء وأطفال في غرفة بائسة! من سيهتم بكم في هذه الدولة التي تتأرجح بعوامل الطبيعة !

تقول الناشطة بأن الأطفال لم يتناولوا غذائهم منذ ليلتين، حتى الغذاء لايبدو كافيًا لإطعام كل هذه الأعداد الطارئة، وأنها بدأت فعليًا في ممارسة مهمتها الإغاثية، بإحضار المواد الغذائية عبر تواصلها مع منظمات عدة.لم تكن لتهدأ، كانت تتواصل مع قيادات سياسية بينها أسماء كبيرة، كالبرادعي في الجانب المصري وهيثم المالح في الجانب السوري. كان هاتفها لا يهدأ مابين المؤسسات الإغاثية ونشطاء حقوق الإنسان وهؤلاء السياسيين.

بقينا، أنا وصديقي، نرافق هذه الفتاة لفترة من الوقت، وهي تتباحث مع مدير السجن، وهؤلاء الذين تتواصل معهم بكل لحظة، حتى تمكنت أخيرًا من تحقيق إنجاز مهم بنقل السيدات والأطفال إلى بهو قريب من مكان احتجازهن ريثما يتم البت في قضيتهن. كان مسجدًا، حاله أفضل من المكان السابق. ودخلت بنفسها المسجد، وهي تحمل لهن المواد الغذائية.

لم أرها خارج هذا المشهد، كانت معهن دائمًا، مكدورة أغلب الأوقات، هي وحدها من يتابع مايحدث في هذا السجن، حتى المنظمات السورية نأت بنفسها عن التدخل. كانت هذه الشابة والتي عرفت اسمها فيما بعد «ماهينور المصري»، رهنت حياتها بدون مقابل، لأيام طويلة مرهقة جدًا، وهي تعين أشخاصًا ربما لم يعرفوا اسمها حتى، بعيدًا عن أي تغطية إعلامية أو تجمع سياسي. شعرت للحظة بأن هذه الحقوقية تحدث تقلبات في صدري، وكأنها تشرف على مران لين لاحساس مدفون في أعماقي، تفسح بكلماتها حاضرة جديدة لمفهوم الخير والعطاء عندي، كأنها الثورة.

إنني أجلُّ انسانيتك ياصديقتي، وأدور في مذهبك لأبحث عن انسانيتي، فهل أصبحتُ اشتراكيًا منذ هذه اللحظة وأنا لا أدري؟ أثور كما أنت للثورة، فقط، في هذه الساحة الفارغة التي تجردنا من تلك «الشيفنونية الرأسمالية»، ومن كل تلك التعابير التي تثورين عليها في هذه الساحة الخاوية.

صحيت في فجر اليوم الثاني، ووجدتها نائمة بوجهها الأنثوي على كتفها الناعم في ذات الباحة، جثوت على ركبتيَّ بجانبها، وكأنني أراقب حدثًا فريدًا لن أراه مجددًا. لماذا تبدين فاتنة لهذه الدرجة، والتراب يرسم خطوطًا في وجهك البرونزي؟ لماذا أحببت شعرك الأسود المسترسل ووجنيتك الصاعدتين كهضبتين أعلى خدي؟. هل يمتلك كل البشر ذات التكوين الفيزيولوجي خاصتك؟ هل لديك قلب مثلنا أم تمتلكين مضخة لامثيل لها؟

لا أدري ماحدود إعجابي بك، فها أنا أبادلك مشاعر مجهولة غير مبوبة، أود أن أفهم نفسي في لحظة، أدرك وجدانيتي، وأرسم صورتك لأراك بها نصًا وأعبر عنها في كتاباتي.

 

هذا النص من كتيب "وجوه في المدينة"، وهو نتاج حلقة أمكنة 2 والتي خُصصت لكتابة البورترية تحت إشراف الشاعر والروائي علاء خالد. بالتعاون مع مركز الجزويت الثقافي بالإسكندرية.

 
 
 
التعليقات