سما باسل تكتب .. "تحية كاريوكا" السيدة التي ننفي عنها تهمة الجسد

تحية كاريوكا.. أو الست تحية التي عرفناها كراقصة من أوائل الراقصات في مصر، شاهدناها في أفلام الأبيض وأسود تناضل بالفن حينما كان يحسب المصريون أن السينما والرقص والغناء فن حقيقي، يجسدون من خلاله نوبات الأمل واليأس والضحك والحرب والسياسة والحب والصعلكة والجنون .

كانت تحية من بين الذين رأيناهم، تبدو صلبة خشنة لها كلمات وهيئة وصوت نحفظهم عنها حتى الآن ؛ ربما هذا الذي جعلني أتساءل لماذا يطرح الإعلام تحية هكذا بقوة واصفًا إياها بالمناضلة ؟ ولماذا تناولتها كتابات عديدة تحكي عن سيرتها الوطنية المخفية وراء ستار الفن والرقص الذي قدمته تحية طوال مشوارها؟

ولماذا يُصر البعض على إظهار تحية أنها راقصة لكنها مناضلة ! وأن الراقصات يمكن أن يُجسدن أدورًا أخرى غير التي يجسدونها على إيقاع الموسيقى والطبل ! ، بل ويصل الوصف أحيانًا إلى أن الرقص لا ينفي أن هناك نقاط ضوء في حياة الراقصات تجعلنا نذكرهن بفخر دون خجل ، واضعين كفة النضال في مقابل كفة الرقص والفن ، مذعنين بأن هذا يزيح ذاك ! لنحصل في النهاية على شخص رائع ، مناضل ، أو وطني بالمعنى الذي نفهمه، بغض النظر عن الرقص! 

 

نجحت الكتابات التي دارت حول سيرة تحية أن تُبرز لنا جانبًا مهمًا في حياة الفنان ، وهو أن يكون دائمًا على صلة بالشأن العام، وهذا ما كان من فنانات وفنانين كثيرين، لكن في سيرة تحية بشكل خاص نلمح أنها السيدة التي تتبارى التوجهات الفكرية المنفتحة في مصر بذكرها، على إثر ربط الانفتاح بالرقص وبالتالي ربطه بالنضال ، وهو ليس ربط شرطي ، لكن جسدته تحية في مواقفها المختلفة ودعمها للاعتصامات والإضرابات الفنية والسياسية حينذاك ، حتى أنها كانت في صدام سياسي دائم مع النظام وقتها، كما أوردت لنا الكتابات بأنه تم القبض عليها أكثر من مرة بسبب نشاطها السياسي ، ومع ذلك فإن أول ما يتم لفظه خارج معادلة الخصومات الفكرية لهذه الاتجاهات هم الراقصات أنفسهم ، والذين لا يتاونون عن ذكرهن في محافلهم الفكرية الزاخرة !

لأنهن في النهاية نساء ، ويشكلن في وجدان المجتمع نقطة خلاف وجدل ، وعدم القدرة على الفصل بين كون النساء جسد فقط أم فكر أم الاثنين ؟ وإلى أي مدى يتم قبولهن كمناضلات ومشاركات في عملية التغيير، لانه سرعان ما يرتد في عقل المجتمع أن هؤلاء أتيّن من خلفية متعلقة بالرقص، أي الجسد !

تحية كاريوكا سيدة حقيقية ، تاريخها النضالي ليس متعارضًا مع تاريخها الفني لكي نبرهن في كل مرة أن تحية راقصة لكنها مناضلة ! تحية لا تحتاج إلى مؤثرات سمعية وبصرية حول سيرتها التي عرفها ونقلها لنا أقرانها ورفقاءها في مشوارها الفتي والسياسي ، نحن فقط الذين اختلقنا معركة بين جسد النساء وباقي مفردات الحياة في مصر، وكأنه شيئًا سيظل يتعارض مع كل شيء دونه مهما بدت المؤشرات أننا في سياق أفضل ومهما بدا أننا أصبحنا أكثر تفهمًا للأمور، وأننا أصبحنا نفند قبل أن نتلقّى جرعات التأثير المُتعمدة !

وربما هذا ما جعلنا نطرح تساؤلات متعلقة بماهية العلاقة بين أجساد النساء في المجال العام بعد الثورة وبين فكرة الإذلال والإهانة، لتأتي النتيجة صادمة مُباشِرة مُتبلورة في كشوف العذرية ، والمناداة بفرض الحجاب أو خلع الحجاب بأشكال مختلفة ، أو تعرية سيدة قبطية ، أو حماية النساء وتطويقهن في المظاهرات لفرض نوع آخر من الحماية على أجساد النساء في المجال العام ، أو التحرش بالنساء في الميدان ، أو إيه اللي وداها هناك !

كلها تساؤلات تطرح علينا من جديد لماذا يتم إبراز الفنانات والراقصات كمناضلات أثّرن في المجال العام ومن ثَم مساره وأفكاره.

أو بالأحرى لماذا يتم تقديم خطاب تطهيري حول عمل الراقصات أو الفنانات كالدور الذي يلصقه الاعلام طول الوقت بأم كلثوم ، وبإنها إحدى الشخصيات الفنية المهمة التي طوّعت فنها للوطن ، وساهمت من خلال حفلاتها في جمع الأموال لإنقاذ الوطن من مغبة الضياع، أو لتعزيز فكرة أن الفن شيء نبيل وليس كلام فاضي ، ومحاولة إعطاء الفنانات فرصة الخروج من مأزق الاتهام بأنهن عميلات تحت رغبات كبار السياسيين ورجال الدولة ! وأنها أم كلثوم السيدة التي تقف على المسرح بثوب طويل وتغني برزانة للحب والوطن ، وهي تحتل مركزًا أقوى من تحية بحسابات النظرة للفن ! لأنها أبعد من تحية عن منطقة الجسد !

بهذه الطريقة يتم حساب المقاييس دائمًا حول مدى أهمية النساء وفنهنّ ، وتأثيرهنّ على المجال العام ، إما أن يتم تقديسهنّ كلما ابتعدنّ عن منطقة الجسد، أو محاولة إضفاء نقاط ضوء حول سيرتهنّ إذا كانت متعلقة بالجسد كالرقص، ليبدو الأمر أفضل قليلًا !

ففي النهاية يتم النظر للنساء من زاوية الجسد ، إما أن يتم تعريتهُنّ والتحرش بهنّ في المظاهرات التي تنادي بالعدالة والحرية والمساواة ، أو حمايتهنّ ونزع حقهنّ في مساحة آمنة مستقلة ، في نفس المظاهرات التي تنادي بالعدالة والحرية والمساواة !

أو إيه اللي وداها هناك !

 

اقرأ ايضا 

هبة النمر تكتب عن نوال السعداوي: "العجوز الشمطاء" التي أُحبها

 

 

 

التعليقات