نيرة حشمت تكتب: ثورة صاحبة البرج العاجي

 

 

فتاة صغيرة تذهب للتحقيق بتهمة لا يحتملها سنها فهي تكاد تتجاوز السابعة عشر من عمرها، وكانت تهمتها مهاجمة الإحتلال البريطاني المحتل لوطنها "مصر"، كانت أول مصرية تحاكم دون السن القانوني، وسيصاحبها لقب "أول مصرية" طويلاً بعد ذلك، فتكون أول نقابية مصرية انضمت لنقابة الصحفيين، وتكون أول مصرية حاصلة على ليسانس من مدرسة الحقوق الفرنسية، لكن الأهم كانت تقريبًا أول من انشغل بحق المرأة السياسي حتى أصدرت جريدة سياسية باسم الأمل، تعرضت لهجوم بعض الناشطات النسوية في تلك الفترة كما تقول في مذاكرتها، اللاتي رأين أن الاهتمام يكن بالقضايا الإجتماعية أولا، لكنها رغم صغر سنها ظلت تنادي بالحقوق السياسية للنساء، خاصة بعدما لم تستطع ممارسة مهنتها بسبب كونها امرأة، فاتجهت للصحافة لتعبر عن قضيتها.

تأثرت منيرة كما تذكر في مذكراتها بأبيها وصديقه سعد زغلول باشا، ما جعل اهتمامها بالسياسة منذ الصغر، وأيدت الوفد في انتخاباته البرلمانية رغم اعتراضها عليها، كما أنها أول من كتب عن عدم دعوة شخصيات نسائية لحضور حفلات افتتاح البرلمان وتم الاستجابة لطلبها.

آمنت منيرة أن حقوق السياسية للنساء هي ضمانة لعودة بقية حقوقها المسلوبة، وكان من أشد المعجبين بتجربة المرأة البريطانية التي اضطرتها الظروف للجوء للعنف للحصول على حق الانتخاب، وهو ما تحقق بالنهاية، ورأت أن تلك الثورة ستكون بالنهاية، تقول أن المرأة الإنجليزية وثورتها التي أطلعها عليها والدها، كانت الملهمة لها لتطالب بحقوق المرأة المصرية، وكانت ترى أن على المرأة المصرية الإطلاع على تاريخ ثورات النساء في الخارج ليدرسن ما فيها من أساليب وعبر.

 

رسالة لصاحبة البرج العاجي..

عزيزتي منيرة ثابت

بعد التحيات كما عودونا..

اكتب إليكي ويفرق بيننا عشرات السنين، فقد ولدت في بداية القرن العشرين بينما جئت أنا في نهايته، تفتح وعيك مع ثورة الشعب في 1919 بينما تفتح وعي لقضايا الوطن ونساءه بعد ثورة شعبية أخرى في 2011، كنتي ثائرة متمردة منذ البداية الذي أشبعك بأخبار السياسية وأخبار الثورات النسائية في العالم، وأكمل صديقه سعد زغلول باشا مهمته كما قلتِ في مذكراتك، ربما ذلك ما جعلك تملكين تلك الجرأة والعند للتصميم على طريق المعارضة وقد بدأته في سن صغيرة عندما تم استدعائك لمهاجتك سلطات الإحتلال في كتاباتك، ولم تكوني قد تجاوزت سن السابعة عشر، ما جعل منك أول مصرية تحاكم دون السن القانونية، سيلاحقك لقب "أول مصرية" في نجاحات أخرى طوال حياتك، فأنتِ أول مصرية تتخرج من مدرسة الحقوق الفرنسية، وأول محامية عربية، وأول نقابية انضمت وساهمت في تأسيس نقابة الصحفيين، وأول مصرية رئيسة تحرير لمجلة سياسية بعد إصدارك لمجلة الأمل بنسختيها العربية والفرنسية، والتي تبنت قضايا الوطن ونسائه سويًا.

أعلم أن روحك الثائرة لم تقابل الرفض فقط من المختلفين معكِ، لكنك تحكين كيف وقفت عضوات الاتحاد النسائي المصري ضدك بعد إصرارك على أهمية الحقوق السياسية للمرأة، وكان اهتمامهن الأكبر وقتها قضايا الاجتماعية كحق التعليم والعمل، لكن بروحك الشابة وقتها رأيتِ أن تمثيل المرأة في البرلمان حماية لها ولطرح مشكلاتها جنبًا إلى جنب مع قضايا الوطن، مستلهمة من قصص كفاح النسويات في بريطانيا التي أشبعت بها منذ صغرك، أمنت مثلك أن حقوقنا السياسية هى الوقاية لنا، لكن على عكسك جئت في وقتها كانت المرأة في البرلمان، فدعيني أحكي لكِ ماذا حدث؟ كان يا سيدتي الفخ الذي دبر لنا من أعداء حقوقنا، من أرادوا لنا أن نظل مستغلات حتى الآن يستخدم النساء وقضاياهن لضرب أعداءهم، وبعد ذلك يتنصلون منا، نحن الآن ممثلات في البرلمان، بل أن البرلمان الحالي يحوي العدد الأكبر من النائبات منذ نشأته، لكنا ما نزال نعاني من تمييز ضدنا لكوننا نساء، فلا مساواة في الإرث، ولا منع تعدد ولا تقييد الطلاق أمام المحاكم ولا أجور مساوية في العمل، ولا تمثيل سياسي قوي في الأحزاب مازالنا نحتفى بأول رئيسة حزب وأول وزيرة في وزارة ما لم ترأسها النساء من قبل.

حتى الآن تفوق نسبة الأمية بين النساء مثيلتها بين الرجال، وفتيات تحرم من طفولتها وتساق لزفاف ما لم تختاره، إلى الآن أجساد النساء رمز لشرف الرجال فيعمل فيها الانتهاكات كالختان أو كشوف العذرية حفاظاً على ذكوريته المصونة، بل أعادوا الحجاب وأصبحنا كنساء عورة، نحن الآن ممثلات في البرلمان لكنا بدون إنصاف قانوني لحقوقنا، أتعلمين أن الشواع الآن لم تعد آمنة لنا كسيدات، يتم انتهاك أجسادنا في وضح النهار، بل تتعالى أصوات الملامة علينا.

أتعلمين أنني مثلك معجبة بالتجربة البريطانية وأنك أول من عرفني عليها، ما زالت أحاول التعرف عليها أكثر، لأني اقتنعت بما قلته أنها ربما تكون "الثورة المقررة المحتومة". 

لقراءة المقالات السابقة من حملة مباشر من الماضي:

هبة النمر تكتب عن نوال السعداوي: "العجوز الشمطاء" التي أُحبها

التعليقات