محمد سمير يكتب: المرأة في التشريع العقابي (2).. هتك العرض "رؤية قانونية"

نستكمل اليوم الحلقة الثانية من سلسلة المقالات حول المرأة المصرية وفلسفة التشريعات المصرية والتي نتناول فيها بشيء من التفصيل أهم التشريعات المؤثرة على وضع المرأة المصرية. وما زلنا مع قانون العقوبات المصري وبعد ان فرغنا من جريمة التحرش نتناول اليوم جريمة أشد وطأة وهي جناية هتك العرض.

يصادف هذا المقال حلول موعد عيد الفطر والذي يحتفل به المسلمون في شتى بقاع الأرض بانتهاء صيام شهر رمضان ، ورغم كون عيد الفطر مناسبة دينيه بالأساس إلا أننا ومنذ فترة زمنية ليست بالقليلة نشهد فيه انتهاكاً جسيماً لأبسط حقوق المرأة التي باتت تخشى مجرد مغادرة منزلها أو الاستمتاع بالمتنزهات العامة لما تتعرض له من تحرش وهتك عرض قد يصل أحياناً للشروع في الاغتصاب ، فقد أوردت العديد من الدراسات الميدانية أن عدد لا بأس به من الشباب والرجال في مراحل عمرية مختلفة تمارس تلك الانتهاكات في حق النساء والفتيات كنشاط ترفيهي تحتفل به بالعيد بطريقتها الخاصة ، ومع غياب التوعية المجتمعية والتنشئة السوية فضلاً عن العقاب القانوني الرادع والآليات الحقيقية لإنفاذ القانون تنامت تلك الظاهرة بشكل كبير وأصبحت من معالم الاحتفال بالأعياد التي تحولت معها الشوارع إلى كابوس حي للفتيات والنساء.

ولكن يبقى قبل أن نعرج على تلك الجريمة أن نؤكد على نقطة في غاية الأهمية ألا وهي أن الدولة التي تحارب الإرهاب والعنف الأصولي الذي يغتال أرواح وأفكار بناتها و أبنائها تستند إلى ركيزتين أساسيتين أولاهما هي القوة المشروعة التي تحتكرها جهات إنفاذ القانون في مواجتها المسلحة مع الإرهاب وثانيهما هي محاربة الرافد المغذي للنهر الأسود للإرهاب وهو الفكر المغذي للإرهاب ذاته وهذا الجزء الأخير تحتاج فيه الدولة بخلاف مؤسساتها الثقافية والفكرية والفنية والدينية إلى كل الجهود غير المؤسسية التي يمكن أن تساعد في تصحيح هذا الفكر وتحجيمه ويأتي على رأس تلك الجهود دعم المساواة وحقوق المرأة ، فمثلما أثبتت التجربة أن التيارات الأصولية بمجرد أن تملك سلطة ما تكون أولى خطواتها تحجيم وتقييد حريات المرأة تحديداً وعزلها عن القوى الفاعلة في المجتمع واسكات صوتها ، فانه يجب على الدولة التي تحارب ذلك الفكر أن تعي الدرس جيداً وأن تكون حقوق المرأة كمواطن كامل الحقوق والواجبات على رأس أولوياتها بل وأن يكون دعم الأصوات الفاعلة في هذا المجال سواء بالكيانات الرسمية وغير الرسمية وفي العالم الواقعي أو الافتراضي فرض عين على الدولة لما لذلك من اثر بالغ لتحقق الدولة قيم المواطنة من جهة وتكسب أرضاً في مقدمة الجبهة في معركتها الفكرية مع قوى الظلام.

.. عودة إلى التشريع ونستهلها بالتعريف بجريمة هتك العرض.

التعريف بالجريمة:
هتك العرض هو جنايةوفقاً لقانون العقوبات يفترض ركنها المادي ملامسة جسد الضحية بأي صوره من الصور رغما عنها وفي اي مكان من جسد الضحية ولو لم يكن مكان ذا مدلول جنسي متى تم هذا التلامس دون إرادتها الحرةبل ولو كان هذا التلامس من قبيل التفتيش الوقائي أو حتى القضائي (فالمرأة لا يجوز أن يتولى تفتيشها سوى امرأة) ،
بينما الشروع في هتك العرض هو محاولة ملامسة جسد الضحية وعدم اكتمال فعل الملامسة لسبب خارج عن إرادة الجاني.. أي أن الجاني حاول وفشل نظراً لهروب الضحية مثلا أو تصدي الغير للحيلولة دون وصول الجاني للضحية

مواد القانون المنظمة للجريمة:
م268 "كل من هتك عرض إنسان بالقوة أو بالتهديد أو شرع في ذلك يعاقب بالأشغال الشاقة من ثلاث سنين إلى سبع.
وإذا كان عمر من وقعت عليه الجريمة المذكورة لم يبلغ ست عشرة سنة كاملة أو كان مرتكبها ممن نص عنهم في الفقرة الثانية من المادة 267 يجوز إبلاغ مدة العقوبة إلى أقصى الحد المقرر للأشغال المؤقتة. وإذا اجتمع هذان الشرطان معا يحكم بالأشغال الشاقة المؤبدة"
م269"كل من هتك عرض صبي أو صبية لم يبلغ سن كل منهما ثماني عشرة سنة كاملة بغير قوة أو تهديد يعاقب بالحبس وإذا كان سنة لم يبلغ سبع سنين كاملة أو كان من وقعت من الجريمة ممن نص عليهم في الفقرة الثانية من المادة 267 تكون العقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة"

التوضيح: فرَّق القانون فيما إذا تمت الجريمة باستخدام القوة أو التهديد أودونهما كما وضع بضعة ظروف من شأنها تشديد العقوبة على الجاني وذلك على النحو التالي:
1) جريمة هتك العرض قد تقع على ذكر أو أنثى والأخيرة هي الصورة الغالبة
2) الجريمة في صورتها البسيطة متى وقعت على ضحية سنها أكبر من 18 عاماً وباستخدام القوة أو التهديد عقوبتها السجن المشدد من 3-7 سنوات
3) إذا كانت الضحية لم تبلغ 16 عاماً على الأقل أو إذا كان الجاني ممن لهم سلطة على الضحية أو ولاية ما كالأب أو المدرس، تشدد العقوبة لتصبح السجن المشدد المؤقت، فإذا اجتمع الشرطان كأن تكون الضحية أقل من 16 سنة والجاني من ذوي السلطة عليها تصل العقوبة إلى السجن المشدد المؤبد.
4) تختلف جريمة هتك العرض عن الاغتصاب -التي سنعرض لها في مقال منفصل- أن الاغتصاب تشترط المعاشرة الجنسية الكاملة والطبيعية بين الجاني والضحية أي بإيلاج العضو الذكري في فرج الأنثى لتقوم الجريمة أما كل ما دون ذلك فهو بمثابة جناية هتك عرض فعلى سبيل المثال "المعاشرة الشرجية أو الفموية أو باستخدام الأيدي أو أي أدوات لا تعد وفقاً للتعريف القانوني اغتصاباً وانما جناية هتك عرض" وهو قصور تشريعي نتمنى تداركه بحيث تندرج تلك الصور المتعددة تحت تعريف الاغتصاب لا هتك العرض خاصة مع ما يترتب عليها من انتهاك كامل لا يكاد يختلف في مضمونه عن الصورة الوحيدة للاغتصاب فمن غير المتصور أن تكون عقوبة من يغتصب فتاة سنها أكبر من 18 عاماً "اغتصاباً شرجياً" حدها الأقصى سبع سنوات بينما من اغتصب ذات الفتاه بعلاقة جنسية طبيعية قد تصل عقوبته إلى الإعدام !

نتوقف هاهنا على أمل العودة مع مقال جديد وجريمة الاغتصاب وفقاً للقانون المصري.

محمد سمير - مدرس النظم السياسية والقانون الدستوري والباحث في قضايا النوع الاجتماعي

التعليقات