هشام فتحي يكتب: "ليلة القدر".. والحفر عند الجذور

 

ونحن الآن في العشر الأواخر من رمضان، ليلتمس المسلمون حظوظهم من ليلة القدر، وذلك حسب التفسير الرسمي للنص "سورة القدر "، وحسب المخيلة الشعبية التي أنتجها مفسروا دولة الخلافة بشأن بركة الليلة، لكن لربما كانت مسألة  ليلة القدر أعمق من ذلك بكثير، وذلك على المستويات التاريخية والدينية (اللاهوتية)، تلك المنظومة العقائدية التي ثبتتها السلطة الإسلامية الجديدة التي استلمت الجغرافيا على انقاض السلطات (المسيحية السريانية) السابقة في المنطقة.

إن التفسير العربي الإسلامي الجديد لموضوع "القدر" ليخلو من جذور قديمة بالتأكيد، قديمة عن تاريخ نحته في قالب لغوي قرآني يفسره المسلمون عامتهم ومشايخهم على النحو المعروف إسلاميا ( مرتبط بزمان نزول القرآن . وطاقة قدر وأدعية للإله لنوال المرجو ) ، ولو تأملنا الحديث النبوي الشهير الذي يحث المسلمين على تحري زمانها في أوتار (جمع وتر) العشر الأواخر من رمضان، فإن ذلك يستدعي تساؤلات أراها مهمة.

هل كان الرسول الكريم يعلم أوانها بالتحديد لكنه يرغب في أن يشمر المسلمون عن سواعدهم بقوة ليدخلوا صائمين قانتين  في كل أوقات العشر الأخيرة من رمضان طمعا في نيل أجر وثواب عظيمين فأخفى عنهم موعدها المعلوم ؟ أم أن الرسول قد نسي ميعادها المضبوط بالرغم من انها ليلة لاتنسى، ليلة نزول القرآن على قلبه وهو بغار حراء ليوصل  جبريل إليه الرسالة العظمى من قبل رب العالمين، فيرتجف الرسول ارتجافا بعد شد وجذب عظيمين  ليهرع إلى خديجة زوجته من فوره فيخبرها بخبره من أمر الغار العظيم؟ هل حقا يمكن نسيان ميقات تلك الليلة المباركة التي ارتجف لها من الحمى والبرد قائلا زملوني دثروني؟ لا أظن، لقد عرضت خديجة الأمر على ابن عمها القس النسطوري ورقة ابن نوفل - حسب الرواية الأشهر - فيبشرها بأن زوجها محمد هو نبي الأمة قد تلقى "ناموس موسى"، والعجيب في الأمر أنه شتان الفارق بين ناموس موسى الذي تلقاه مباشرة عن رب العالمين فوق جبل الطور دونما وسيط  وناموس محمد الذي تلقاه عبر الوسيط جبريل الأمين في غار حراء، هذا بحديث الله المباشر وذاك بحديث الوسيط جبرائيل.

ما يلقي بذور الشك في تربة هذه المرويات الإسلامية عن ليلة القدر، ما يقوي فرضيتنا حول الأصل السرياني للموضوع ، ولقد أرى أن مسألة "القدر" مرتبطة باللاهوت المسيحي بأرض الشام قبل انسياح العرب عليه جغرافيا واحتلاله بالكامل وإحلال سلطة الخلافة محل دولة الرومان ، وكان لفعل التجارة بين الشام وجزيرة العرب دوره المصاحب في إنتاج "نص القدر" قرآنيا. فعل القدر يتعلق بالأساس بمسألة الخلاص المسيحي ، المسيح الذي جاء أرضنا على قدر وميعاد لإنقاذ الجنس البشري من لعنة الله ( هكذا يؤمن المسيحيون ) فالقدر كان لفعل الله الإنقاذي ( الآب أنزل ابنه وأرسله / لاهوت مسيحي مشرقي ) ، لكن قام التجار العرب المتقنون للسريانية بمضامينها المسيحية بنقل الموضوع بلغة عربية قرآنية "سورة القدر" ليتم تفسيرها إسلاميا على النحو المعروف لدينا بالجغرافيا العربية وباقي الجغرافيات المتعربة على أنها الليلة التي أنزل الله فيها القرآن (ليلة مباركة) ويدعو فيها المسلمون أدعيتهم لتحقيق المرجو والمأمول ( المخيلة الشعبية / بابا نويل الإسلامي).

لاحظ ان لفظة "قرآن" هي لفظة سريانية بالأساس، لفظة غير عربية وأصلها "قريونو" و "قريانا" وقرينة ذلك  أنه لايمكن تصريفها نحويا ، وتعني اللفظة في السريانية "القراءة المقدسة"، إن  القرآن الكريم يستهل تعليمه للنبي محمد بكلمة "إقرأ" ، إقرأ يامحمد في " السفر المقدس " ، ولاعجب أن سفر الإسلام المقدس هو " اللوح المحفوظ " ، ويؤكد القرآن على عمل هذه الليلة الفرقاني بين الحكمة والضلال فيقول " فيها يفرق كل أمر حكيم " ، ومن أسماء القرآن " الفرقان " وتلك لفظة غير عربية أيضا ذات أصل سرياني تعني " الخلاص " ، فياللمفاجأة هل ترى لها تصريفا ؟.

إن  المشاهد ( بفتح الهاء ) أن مفسري النص القرآني " سورة القدر " لم يفسروا لنا لماذا هي ليلة مباركة ؟ هل بسبب نزول القرآن فيها ؟ يقولون أن القرآن نزل مرتين على قلب الرسول الكريم في هذه الليلة ، مرة بأكمله ومرة بسورة القدر فقط ، لكن السؤال لماذا لم يتم تدوين القرآن منذ التنزيل الأول لننتظر حتى نبلغ زمان الخليفة الثالث عثمان ابن عفان ليقوم بتدوينه بعد حذف وحرق لعدة مصاحف كانت بيد بعض الصحابة ماسبب لغطا عظيما لاننجو من تداعياته  حتى اليوم ؟ ترى هل البركة لهذه الليلة سابقة على أوان النزول ؟ وماسبب تلك البركة فيما لو كانت سابقة على زمن النزول لكي يقوم الإله باستخدام زمانها لإنزال القرآن على قلب الرسول الكريم ؟

 أتصور أن بركتها أقدم من زمان نزول القرآن حسب الفرضيات التي انطلق منها المقال ، ولقد يؤكد  معنى النص القرآني على ذلك قائلا " إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين "  ، وعليه فإن المسألة أبعد من ربط الليلة المباركة بنزول القرآن لتجد جذورها في اللاهوت المسيحي الذي بشر بأوان " نزول المخلص " فكان قدرا مقدورا ، ليستخدم البشير الإنجيلي يوحنا عبارة " فلما كان ملء الزمان أرسل الله ابنه إلى العالم " ، كان ليلة القدر بشارة الملاك  لمريم بولادة المخلص ، قدر الله للعالم خلاصا ، لكن نحت التجار والكتبة العرب " نص القدر" لغويا - ديدن التجار العرب باتصالهم بالرهبان على الطرق التجارية بالشام وخطوطها إلى الجزيرة العربية - ليضاف بعد ذلك إلى النصوص المقدسة الجديدة للدولة العربية الناشئة ( الإسلامية ) التي تأسست على أنقاض اللاهوت المسيحي في الشام وانطلقت من العربية ( منشأ العرب الشام السوري ) لتغزو كل الجغرافيات القريبة ، ومن ثم لتكسب " النص المقدس " بعده الإسلامي الجديد بعد أن أفرغته من حشوه المسيحاني القديم .

التعليقات