أيمن عامر يكتب: داعش وقطر وكلب الحريق

 

 

قديماً في الريف حينما كانت عصابة فاجرة تريد الانتقام من شخص ما في ماله كانت تربط كرة من النار في ذيل كلب وتطلقه في حقل القمح. يجري الكلب مفزوعاً هنا وهناك فتنشب النار في المحصول وسرعان ما تأتي عليه ويحل خراب كبير.

هذا ما تفعله "داعش" في المنطقة، وهذا ما خُطط لها أن تفعله، وهذا هو الدور الذي يكاد يُراد لقطر أن تؤديه.

"داعش" منشقة عن القاعدة، وضع أساسها في العراق أبو عمر البغدادي سنة 2006 تحت اسم "الدولة الإسلامية في العراق" كامتداد لتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين الذي كان قائده أبو مصعب الزرقاوي الذي رحل عن أفغانستان وحلَّ بالعراق ينشر الفتن ويقتل الشيعة والمسيحيين ورجال مقاومة الاحتلال الأمريكي بدم بارد. وما إن أتيحت لهم الفرصة بعد الانتفاضة في سوريا حتى دخلوها ووسّعوا رقعة دولتهم وصار اسمها "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش).

كانت أخبارهم في البداية من منع حلاقة اللحى وتحطيم صالونات الحلاقة تثير السخرية، وشيئاً فشيئاً تبين أن الأمر جد لا هزل وأنهم عصابة مخيفة لا ينبغي التهاون معها.

لقد انشقوا عن "القاعدة" التي رأوها أضعف عزماً وأقل حسماً، فاتخذوا هم طريق العنف والدم والإرهاب معلنين ذلك فعلاً وتنظيراً.. كتبوا "إدارة التوحش" ليشرحوا منهجهم في خلق مناطق عازلة واستخدام الانتحاريين لبثِّ الرعب والدفاع عن التنظيم، وممارسة أقسى صور العنف وحشيةً وتصويرها وبثها من أجل نشر الرعب في قلوب الأعداء. ومن ذلك كما تعرفون الذبح والرجم والحرق والإلقاء من أعلى المباني الشاهقة.

امتدت داعش إلى سوريا فحلَّ الخراب معها: الحرق والقتل والفتن والصراعات، وربما ما هو أسوأ: الاحتلال.

وأياً كان خالق داعش هذه ومؤسسها، وهي اتهامات تُلقى من الجميع على الجميع على أي حال، فالواضح أنها تمثل حصان طروادة لحرق المنطقة وتخريبها وتفتيتها، أو هي الكلب في ذيله كرة اللهب ينشر النار حيثما جرى.

وأظن ذلك قد صار واضحاً للجميع، فما إن أعلن أبو بكر البغدادي نفسه خليفة للدولة الإسلامية في خطبته المعروفة حتى بدأ الخراب بالقتل والترويع والفتن وشق صفوف مناهضي بشار وتحطيم آثار الحضارة السومرية العريقة وحرق المكتبات ونهب الآثار وسرقة المصارف وبيع البترول بالبخس للأمريكان والأتراك... إلخ.

ثم تكوَّن التحالف الدولي لمحاربة داعش، وإذا بداعش تقوى وتتوسع وتنشر النار هنا وهناك، وثارت الأسئلة والشكوك: من أين تحصل داعش على المال والسلاح، ولماذا تُلقى إليهم الذخيرة بدل أن تُلقى عليهم؟

ألم يتهم ترامب منافسته هيلاري بأنها مؤسسة داعش؟

ثم تدخلت روسيا بعدما لاحت عدم جدية أمريكا في محاربة داعش وأنها تضيّق عليهم الخناق في الجنوب وتفتح لهم ثغرة في الشمال لتنقل كلب الحريق إلى مساحات أخرى. نجح الأمريكان والروس في نقل المعركة بينهما بعيداً عن أرضيهما. ولعلكم تذكرون كيف هدد بوتين أعضاء داعش من الروس بأن من يفكر منهم في العودة إلى روسيا لن يلقى إلا القتل وأن أي تفكير في نقل المعركة إلا بلده سيجعله يحرق داعش بالمنطقة كلها.

هكذا صارت سوريا والعراق منطقة يجري تقسيم النفوذ فيها بين المتصارعين والمرتزقة. وتهمة الإرهاب جاهزة تُلقى على من يريدون ضربه ولو من باب استنفاد الذخيرة وتزجية الوقت. وهم لن يدفعوا شيئاً، ستدفع السعودية ودول الخليج مقابل شملهم بالحماية وصون العروش وإبعاد خطر الإرهاب.

واتتسعت مظلة الإرهاب لتشمل الخلافات السياسية والمذهبية فأُغريت السعودية بجارتها اليمن لتتورط هناك في حرب ضروس تنفق فيها خمسة ملايين دولار كل طلعة شمس تذهب إلى جيوب تجار السلاح، ولو أنفقت هذه الملايين على اليمن وأهله لتبدلت أحوالهم ولكفت السعودية نفسها شر هذه المأساة أو المهزلة.

ولما أوشكت نار داعش أن تخمد كان لابد للكاوبوي الجديد أن يتحرك. وقبل أن يدخل إلى البيت الأبيض أعلن صراحة أن على السعودية أن تدفع ثمن الحماية الأمريكية، ولم يخلف الرجل وعده، جاء إلى السعودية وأخذ 460 مليار دولار ستساعده في إصلاح اقتصاد بلاده وخلق فرص عمل لمواطنيه وستفتح شهيته لطلب المزيد.

وطريق هذا المزيد هو تكوين التحالف السني الأمريكي لمواجهة الإرهاب الذي لابد أن يكون غير سني غالباً أي إيراني، ثم البحث عن كلب حريق جديد بديل لداعش، وبما أن إيران لم تُستفز إلى الآن فلتكن قطر راعية الإرهاب. وما إن عاد ترامب إلى بلاده حتى بدأت المناوشات واتُخذ قرار قطع العلاقات مع قطر من جانب دول الخليج.

وفي غمرة إجراءات المقاطعة حدث هجوم على البرلمان الإيراني ومرقد الخميني لتتهم إيران السعودية.. لكن السعودية مشغولة.

أعلنت إيران عقب المقاطعة أنها مستعدة للوقوف بجانب قطر وتعويضها عن خسائر المقاطعة.

وصدّق أردوغان على موافقة البرلمان التركي على إرسال قوات تركية إلى قطر لا نعلم إلى الآن ماذا ستفعل هناك.

وكان لابد من سكب بعض الوقود على النار، فقال ترامب إن قطر تاريخياً تدعم الإرهاب

منذ زمن بعيد.. لا يا شيخ!!

وماذا تفعل قاعدتك العسكرية في قطر؟

أولم تكن تعلم أنها تدعم الإرهاب من قبل، ولماذا صمتَّ طويلاً إزاء دعمها التاريخي للإرهاب، أم أنك تمد لها الحبل وتسجل مواقفها وتجهز مستنداتك ودفاترك لحين اللزوم؟

والأنكت أنه بعد تصريحه هذا بأيام باع لقطر 75 طائرة من طراز إف 15 بقيمة 12 مليار دولار، وفي اليوم التالي للصفقة أُجريت مناورات مشتركة بين القوات الأمريكية والقطرية.. يا حكام الخليج، ألا تفهمون؟!

أخشى أن قطر ستُستخدم كما استُخدمت داعش مسمار جحا للتخريب والتفتيت والإفشال.

ترامب يغري بعضهم ببعض، يقوي الضعيف ويُضعف القوي حتى تبقى «العركة منصوبة» ثم يتدخل هو من أجل «تهدئة النفوس» ولم الفلوس وبيع السلاح وفرض الأتاوة.

السؤال المحير فعلاً هو: أمريكا تحصل على البترول في كل الأحوال، فلماذا لا تكتفي بهذا، لماذا تصر على التخريب وتأجيج الصراعات؟!

لا أقول إن داعش صناعة غربية بالكامل، فالأفكار محلية بالطبع، أمريكا لم تصنع الإخوان ولا محمد بن عبد الوهاب ولم تخترع الجمعية الشرعية ولا أنصار السنة، هي لم تكتب "معالم في الطريق".. لكن أمريكا ساعدت ومولت واستفادت، والمنطقة موبوءة بالطغيان والفساد والجهل والاستبداد، ما يجعلها هشة ضعيفة سهلة الانقياد للتخريب وزرع الفتن.. لكن رغم كل هذا هناك من يشعل كرة النار ويطلق الكلب في الحقل.

التعليقات