هشام فتحي يكتب: فقه البطيخة الباردة التي تفطر الصائم

أعجبني بوست مختصر على الفيس بوك اليوم،  تساءلت فيه صاحبته عن حقيقة صيام  من رأى بطيخة ساقعة حلوة المنظر في نهار رمضان،  ترى هل تفطره البطيخة وهو صائم ؟، بالحقيقة هو بوست خبيث،  ثري من الناحية اللغوية،  غني يدلالاته الأدبية،  يحمل بأحشائه مضامين يبلغ حجمها أضعاف عدد كلماته، يخترق مسلمات فقهية يشيعها المشايخ في فضاءاتنا المستباحة ليضربها بالقاضية.

ولأني من أنصار المدرسة التي تقول بموت المؤلف لحظة انتهائه من إطلاق نصه بفضاء القارئين ليصبحوا خالقين جددا للنص،  فلقد بات من حقي إذن أن أقوم بتأويل هذه المقولة، بل واخلقها خلقا جديدا على النحو المفيد.

يلهو المشايخ بعقولنا الغضة في مسألة المرأة التي لا ترتدي غطاء الرأس (يسمونه زورا الحجاب)، تلك المرأة المتمكيجة (المتبرجة) التي تخرج بنهار رمضان لتفتن النبي والولي، تضيع صيام الصائمين،  تذهب بألبابهم،  وتنسف إيمانهم نسفا مبينا، عليها (لعنة الله)، وعلى الأمة أن لا يتركوها موقد فتنة للرائح والغاد،  فليلزموها الدار،  وإلا هي الجانية على نفسها، أفلم يفت أحد المشايخ الأجلاء وكان صاحب الكرسي الكبير في الفتوى، ألم يفت بأنه على نفسها جنت براقش؟ ألم يقل لافض فوه بأنها تدعو متحرشيها إلى لمسها والتعرض لجسدها إذا ما خرجت (سافرة) للعيان؟

إذن هذه هي نظرة غالبية المسلمين للمرأة غير المؤشربة (التي لاتضع الإيشارب على راسها)، دعوة فقهية للتحرش من أعلى قامة دينية بالمجتمع المصري، بل قل من أعلى قامة فقهية رسمية، أعطى لها الدستور المصري صفة الرسمية، ولم يتبق إلا توقيع العقاب بشكل سياسي سلطوي من الحكومة.

 دولة داعش جاهزة لتطبيق شريعة الشيوخ على رقاب المصريات والمصريين، دولة داعش التي ترى في بطيخة باردة شهية مدعاة لإفطار الصائمين،  دولة داعش التي لا ترى في الرجل سوى حيوانا جنسيا لايملك حفظ شهوته وهو صائم أن رأى شعر امراة ترخيه على ظهرها بالطريق، دولة داعش التي لا ترى في المرأة سوى وعاء جنسيا، فهي كالحمار إن غدت وإن راحت،  ألم تخرج آدم من جنته ؟ أنظروا وتفحصوا، ألم تشتق لفظة الحية من حواء؟ هل ترون فرقا؟ ألا تفسد المرأة صلاة المصلين؟ أليست المرأة عورة؟ وجهها كفرجها،  فلتقعدوها بركن الدرار البعيد،  لتتقوا فتنة لايعلم الله مداها،  إنها البطيخة الباردة،  شهية المنظر،  آه لو رآها الصائم على شقيها في لونها الأحمر الوردي،  لهجم عليها نحتا وأكلا وافتراسا،  لا،  ليس العيب في الآكل،  بل كل الخطيئة في بطيخة مفتوحة تعرض نفسها للصائمين بلا)  حجاب ) يستر لونها الوردي الشهي.

 لكنك أيها العاقل،  لو اعترضت على هكذا فقه،  وحاولت أن تستدل بأدلة تضربه في مقتل، مثل أن تقول: وهل لو دخلت أيها الصائم المطبخ على زوجتك تعد لك وجبة الإفطار، هل في ذلك تحريض لك على ترك الصوم أن استنشقت روائح الطبيخ الشهي؟ لماذا لا تنكب إذن على طبق ملوخية سريع لتفترسه أن شهت لك زوجتك غريزة الأكل في نهار رمضان؟ هل لو رأيت ابنتك الصغيرة تقضم ساندوتشا، هل تخطف منها بعضه فتفترسه افتراسا أن حرضتك على ترك الصوم وحرمتك من ثوابه؟ هل لو مررت على مخبز بالطريق ورأيت الخبز صفوفا مرصوصة على الأقفاص، هل في ذلك مدعاة لك على خطف رغيف ليسكت به جوعك ولتفقد بذلك صيامك ؟ مالكم كيف تحكمون ؟ لماذا توقف فقهكم عند شعر امرآة يطيره الهواء ؟ أو فستان لايغطى كامل الساق ؟ أو بنطال ترونه ضيقا ؟ أتدرون فيم المشكلة ؟ المشكلة في فهمكم لقضية الصوم،  لا،  ليس الصوم الإمتناع عن الطعام والشراب والجنس حتى أذان المغرب،  هذا ماعلموه لكم بمدارس الصحراء،  إنما الصوم مشابهة للإله،  نعم مشابهة له في طبيعته،  فهو لايأكل ولايشرب ولايحتاج عملا جنسيا،  الصوم هو معراج روحي للسماء إن كنتم تعلمون . الصوم تدريب وتهيئة لمغادرة نهائية للجسد في الزمن الآت،  يفنى الجسد،  يغادره صاحبه أرضا لتصعد روحه للسماء،  الصوم قيامة لو كنتم تعلمون أيها الصحراويون ليس عليكم إلا أن تنسفوا مطالب البدن نسفا من داخلكم إن اردتم صوما صادقا،  لا يلوثنه ملوث خارجي،  ولو اعتقدت ياابن الصحراء أن عاملا خارجيا يخرجك عن صومك فلتعيد النظر بسرعة في صحة اعتقادك،  إنه لم يعاهدك أحد بأن يصوم معك،  بل هو قرار فردي بالصوم،  وعليك وحدك أن تتحمل تبعاته،  حكم عقلك،  ولاتلقي وزرك على البطيخة المفتوحة.

التعليقات