أحمد عبدالعليم يكتب: متى نراجع مفاهيمنا وتاريخنا... عن التاريخ والعلم والحقيقة وأشياء أخرى

(1)

يرى البعض أن إنكار "الحقيقة المطلقة" هو صنو "اللاأدرية" وهو الأمر الذي يعني إنكار العالم، والتشكيك في إمكانية بناء (المعرفة) ظنا منهم أن غياب مفهوم "الحقيقة المطلقة" من شأنه أن ينفي وجود (حقيقة) ومن ثم الوقوع في براثن التشكك، والانزلاق إلى حالة من التخبط، ونكران الخبرة المتراكمة. وهو أمر يبدو مستغربا على "خطاب" معرفي يتم طرحه في الوقت الذي تمكن فيه العلم من الوصول إلى (حقائق) هامة حول أمور كانت تبدو في الماضي القريب غامضة وملتبسة. وفي ظني أن مناط الوصول إلى حكم من هذا النوع يؤشر إلى نقص في الوعي، وربما قصور في الإدراك، ينبعان من نقصان في المعرفة بأسس العلم وأدوات المنهج العلمي، التي باتت مادة يتدارسها كل مبتدئ.

والفارق الجلي بين المفهومين لا يدع مجالا لالتباس، حيث يعني مفهوم (الحقيقة المطلقة) في أبسط صوره نهاية التاريخ، والوصول إلى موقف معرفي لا يمكن أن تتغير عناصره، أو تتبدل معطياته، ومن ثم الاهتداء إلى اليقين الذي لا ينبغي على فرد انتقاده، أو الإتيان بمعرفة تخالفه، وأفضل ما يمكن تقديمه من جهد علمي في ظل هذا الخطاب هو عمليات الشرح والتوصيف لمتون الكتب التي تحويها، ولا يجوز بأي حال من الأحوال انتقادها أو التشكك في مكوناتها وعناصرها. بينما تتأسس المعارف العلمية التي تمتلك حزمة من (الحقائق) الثابتة والمؤكدة، سمة رئيسة مفادها (أن هذا ما توصلنا إليه وفقا للمعلومات المتوفرة، وفي ضوء الأدوات والمنهج العلمي المتاح) ما يعني أننا إزاء دعوة مفتوحة للبحث والاستقصاء، والتأسيس لمزيد من الإبداع، وهو فارق جوهري يتخذ من "التطور" ركيزة أساسية تمكن البشر من إضافة مزيد من الخبرات، وابتكار رؤى ومعارف قادرة على تقديم بدائل إبداعية من شأنها تعظيم قدرة الإنسان ودعم تقدمه.

(2)

قام خلفاء الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) عقب وفاته بتوثيق ما جاء أثناء البعثة المحمدية من (نصوص) حاكمة، بغرض حفظها، وهم أهل (الشفاهة)، إذ كان (الكاتب والمكتوب) أقل اعتبارا في الثقافة العربية لفترة من الوقت، حتى بعد استتباب الأمر للإسلام والمسلمين، وكان أول ما وثقوا (كلام الله) وهو (القرآن الكريم) وهو عمل مضن استمر طويلا حتى استقر فيما أطلق عليه تاريخيا (قرآن عثمان).

وعلى نحو آخر سار متوازيا مع هذا الجهد الذي لم يكن محل خلافات كبيرة، السعي إلى توثيق (كلام الرسول) وقد اتخذ فيما بعد هذا الجهد مجالين للعمل كان أولهما توثيق أحاديث الرسول، وثانيهما كان توثيق (أفعال الرسول) وأطلق على الأول (الأحاديث النبوية) بينما أطلق على الثاني (السنة النبوية). وفي بدء عمليات التوثيق هذه بذل الموثقون والمحققون جهدا كبيرا، ولا أبالغ إن قلت أن هذه العملية قد استندت إلى (رؤية تاريخية) تستند في صميم عملها على جهد (علمي) يمكن الاستناد عليه ومراجعته وخاصة في مراحله الأولى التي تميزت بالموضوعية والنزاهة والأمانة التي تصف العلماء والمحققين في التاريخ على نحو يجعلهم أهل ثقة. إذ ارتبط بعملية (جمع وتوثيق الحديث والسنة) مجالات علمية أخرى من أهمها ما يطلق عليه (جرح الرجال) فعندما تباعدت الفترة الزمنية بين التوثيق والحدث أصبح من الضروري التحقق من (الحدث) والتحقق من مصدره، وهو الأمر الذي بذل فيه جهدا مضنيا في بادئ الأمر (حتى أن مالك ابن أنس لم يجمع في كتابه (موطأ مالك) سوى ما يقارب الثمانمئة (حديث) الذي ارتأى أنهم محل ثقته) وكان مجال العمل هذا يرتبط أشد الارتباط بمصدر الحديث وراويه، حيث وضع المحققون الأوائل مجموعة من الاعتبارات والسمات التي ينبغي أن يتحلى بها (المصدر) من بينها أن يكون من أهل الثقة، وأن لا يعرف عنه الكذب لا في حياته الخاصة ولا في حياته العامة، وكذلك التعرف على تاريخه الشخصي وسيرته العامة، ومن ثم لا يؤخذ من مصدر غابت عنه هذه السمات وغيرها كالأمانة والصدق وشيوع اهتمامه وغيرها، حتى تدخلت السياسة في الدين وشاعت الفتن بين المسلمين وتنابذ الفرقاء، وأرادوا سندا فأولوا (قرآنا) وأقحموا أحاديثا وبات المسلمين بين (أهل سنة) و(شيعة) وغيرها حتى وصل المتنابذون إلى ثلاث وسبعون (فرقة) أو يزيد.

(3)

في تاريخ مصر الحديث كان هناك أحداث كثر، صنعت في تتابعها الزماني والمكاني المجتمع المصري في صورته الراهنة، وهو أمر يحدث مع كل الأمم والبلدان، فترات زمنية تؤسس لما بعدها، وأحداث تؤثر فيما يعقبها، وربما يصبح من المعتاد في فترات زمنية مراجعة هذه الأحداث التاريخية وتفسيرها، والتحقق من مدى مصداقيتها، وهو أمرا علميا مشروعا، وله منهجيته، ومدارسه، وأدواته،كما يرتكز على مجموعة من المعاييير التي يتسم به الجهد العلمي التأريخي، فالتحقيق وكتابة التاريخ وتوثيق الأحداث التاريخية يستند على وقائع مادية وصل إلينا ما يؤكدها من وثائق، وما يثبت صحتها من مصادر، مثلما أنها لا تستند على هوى، ولا يأخذ عن (خصم) إلا في حدود دنيا بهدف التفسير والفهم وعرض المتضارب من أقوال للإلمام بكل ما يتعلق بهذه الحادثة أو تلك.

ومن الغريب حقا أن ما ورد إلينا عن (التاريخ) المصري (الحديث) يكتنف بعض أحداثه غموضا، ويعتري بعض مصادره التباسا يجعل من هذه الأحداث أقرب إلى"أساطير" تبتعد في معاييرها عن كونها عملا (تأريخيا)، وهو الأمر الذي نعاينه على مستوى الجهد العلمي المبذول، فما بالك وقد دخلت عناصر أخرى في عملية التأريخ (المزعومة) مثل السينما والدراما التليفزيونية والأفلام الوثائقية وغيرها، وهي وإن لم تدخل ضمن الجهد العلمي التأريخي إلا أنها تعد مصدرا هاما للمعرفة في مجتمع تتزايد نسب الأمية بين سكانه، ولا يحاججني أحدهم بأن هذه الأدوات لا يمكن عدها ضمن جهود التأريخ التي ينبغي أن تتسم باتباع المنهج العلمي وأدواته ومعاييره بل تدخل ضمن الفنون فكم من حدث بدلته هذه الأدوات، وكم من شخصية شوهتها أو جملتها ولنا في (صلاح الدين الأيوبي) مثالا حيا.

وهنا نعود لواقعة ملموسة أصبحت محط اهتمام كثير من متابعي الدراما التليفزيونية، ومن ثم المجتمع إذ خرج علينا كاتب سيناريو مشهور بتأريخ (درامي) لحقبة زمنية ليست بالبعيدة، ليعيد روايتها، ويبدل سردياتها، ويقدم مغالطات تاريخية من الناحية العلمية، ويأتي بصياغة مغايرة تستند على مكايدة الخصوم، وعدم النزاهة العلمية في تتبع المصادر مكتفيا منها (عن جهل بالمنهج العلمي) بكتب المذكرات أو ما يعرف بـــ (أدب السيرة الذاتية) وهو من الناحية العلمية لا يمكن أن يدخل ضمن مصادر ومنهجيات توثيق الحدث التاريخي بأي حال من الأحوال، إلا في حدود ضيقة قد يوردها (المؤرخ) بوصفها علامة خصومة أو محاباة لأشخاص شاركوا في هذا الحدث، ولكنها لا تؤصل له، ولا توثق بوصفها مصدرا لرواية التاريخ، حيث تطرح هذه النوعية من الأدب (السيرة الذاتية) لأحداث تاريخية من وجهة نظر كاتبها، يغلب عليها الهوى، وتستند على ميول الشخص ورغباته ومواقفه، وتزداد عملية الالتباس عندما يستند الكاتب على مكايدات من خصوم، أو تفسيرات مغرضة، أو تبريرات لمواقف شخصية، وهنا ينبغي التنويه بأني لست معنيا بالأحكام التي أوردها حول هذه الشخصية أو تلك بقدر عنايتي بضرورة اللجوء إلى قواعد المنهج العلمي التي تؤصل لأي عمل يتناول التاريخ لتقديم صورة أقرب ما يكون للحقيقة ولوقائعها المادية.

ولا يجب الاستخفاف بحدث من هذا النوع، فتاريخ أمة من الأمم وتصورات الأجيال الحاضرة عن الأجيال السابقة يشكل جزءا هاما من تصورات هذه الأجيال عن العالم وعن أنفسها والأسلوب الذي يتبعون في التعامل/ التواصل مع العالم ومع أنفسهم، ومن ثم ضرورة النظر إلى إعادة مراجعة تاريخنا وفق المنهج العلمي واعتمادا على المنهج النقدي والمقارن في ضوء الوثائق والمصادر المعتبرة من الناحية العلمية أصبح أمرا لا فكاك من القيام به في ظل حالة الالتباس والارتباك التي يعيشها المصريون وتأثيراتها السلبية على الأجيال القادمة.

التعليقات