رباب كمال تكتب: أختاه.. لماذا لا تلتصقين بالجدار؟

 

كانت قدماي تقوداني للمسجد الكائن إلى جوار المنزل، بضاحية مصر الجديدة قبل عدة سنوات، حيث يحتشد المصلون في صلاة الجمعة في مشهدٍ غفير لا تراه إلا في مباريات القمة.

كان عليّ أن أرتاد المسجد قبل موعد صلاة الجمعة بساعة بأكملها، لأحجز مكاني وأستمع للإمام الصاعد الواعد.

الإمام كان يتحدث عن قيم الأخلاق والإنسانية، ولفت انتباهي بهدوئه وصوته الرزين. توسمت فيه خيرًا وهو يعلن عن تخصيصه لعدة خطب قادمة عن فقه المرأة، وكم سعدت بذلك وحرصت على الحضور لأعرف كيف كرمتني السموات.

بالرغم أننا كنا في بيتٍ من بيوت الله، إلا أن أول القصيدة كانت كفرًا، لقد كفر الإمام بحقوق المرأة التي اعتبرها نتاج الحضارة الغربية العفنة. والعجيب أنه احتفظ بهدوئه ورزانته المعهودة وصوته الخافت العندليبي، وهو يسرد لنا حديث نهي المرأة عن السير في وسط الطريق، وضرورة التزامها بحافة الطريق، حتى تلتصق بالجدار ويتعلق ثيابها به من شدة الالتصاق!! واستشهد إمام المسجد بسنن أبو داوود ليثبت صحة مصادره، مؤكدًا أن الهدف من الحديث هو عدم اعتراض المرأة للطريق بجسدها كما يفعل العابثون.

نعم أيتها المرأة، إنك عابثة ماجنة، تسيرين وسط الطريق، لماذا لا تلتصقين بالجدار كما يجب؟! أنتِ سبب الزحام والتخبط والفشل وتعطل المصالح وتردي الأوضاع الاقتصادية. نعم لم يعد لدينا متاعب حياتية نشكو منها، ولم يتبق لنا سوى أن نلصق المرأة في الجدران حتى لا تسير مختالة فخورة عابثة بجسدها وسط الطريق تعيث في الأرض فسادًا!!

حقيقة الأمر أن الحديث كان له سياق زمني، ومحاولة استرجاع منطق سير المرأة إلى حافة الطريق في مطلع الألفية الثالثة أمر مستحيل ولا معقول ونموذج صارخ لتحقير المرأة في الخطاب الأصولي، وهو التحقير الذي طالها في كافة مناحي الحياة.

رسالة إمام المسجد كان أسلوب الدعاة الجدد الذين تخلوا عن الحناجر الخشنة، وتبنوا أسلوبًا من الدعوة على طريقة الكلام المعسول ليدسوا السُم في العسل، سم التطرف في عسل الوسطية. سم تحقير المرأة في عسل تكريمها، فالمرأة مُكرمة مُصانة طالما أنها تسير على حافة الطريق وتعيش على هامش الحياة قانعة بأن مجرد سيرها وسط الطريق عبث ومجون ومراودة المجتمع المؤمن- المتدين نهارًا الفرفوش ليلا- عن نفسه.

لم ينس الإمام بأن يذكرنا بحديث الكاسيات العاريات المائلات المميلات - أي الزائغات عن طاعة الله، اللائي ُيعلمن غيرهن من النساء الفسوق- فهن من أهل النار. ( رواه أحمد و مسلم في الصحيح)، ولم يفوته تذكيرنا بحديث "اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها من النساء" (رواه البخاري ومسلم).

الإمام كان يرفض النقاش، فالنقاش في خطبة الجمعة "لغو"، واللغو حرام وكذلك التفكير من أساسه، وكان الإمام يرفض التعقيب بعد الخطبة؟ هل جننتُ أنا؟ أعقب على خطبة الجمعة التي يلقيها الإمام الوسطي في المسجد الوسطى الذي يتبع وزارة الأوقاف الوسطية في الدولة ذات المرجعية الوسطية؟ هل أظن نفسي في ندوة ثقافية؟ كفر الإمام بحقوق المرأة وأطلق عليها موضة، وطالب النساء بالاكتفاء بالتكريم الإلهي.

حاول الإمام وضعنا في خانة إنكار المعلوم من الدين إن حاولنا التفكير وإعمال العقل في تلك النصوص، وكل ما كان يجول في خاطري هو لماذا يريد أن يقنعني إمام المسجد بإنكار المعلوم من المنطق؟ فبأي منطق تعتبر النساء ماجنات عابثات إن أبدين جمالهن وأنوثتهن وسرن وسط الطريق واثقات من خطواتهن طامحات في عدم تحقيرهن.

اضطرت المرأة أن تختفي خلف حجاب ونقاب وإسدال، لأنها عورة، فهي الجانية على الرجل الذي يتحرش بها، فهي لم تحترم غرائزه الهائجة، هذا عقابها لأنها لم تتلفح في خيمة سوداء كما الأشباح، إنها كما قال شيوخ الوهابية مثل الحلوى التي تلم الذباب، فلا تلوم إلا نفسها، وعليها أن تعلن توبتها النصوح عن كونها أنثى.

خرجت من المسجد مدركة أن ما قاله الشيخ قد لا يؤثر حرفيًا في عددٍ كبير من نساء هذه الضاحية، وأدركت أيضا أن هؤلاء الأئمة تصل رسالتهم بقوة في تهميش المرأة ولعنها إلى مجتمعنا في النجوع والكفور والقرى والعشوائيات والأحياء الشعبية، وفي تلك المناطق التي انهزمت فيها مؤسسات الدولة وانعدمت بها الخدمات، فشكلت الجماعات الإسلامية وتمويلها السعودي الوهابي ومنظمات المجتمع المدني التابعة لها دولة موازية ترعى الناس تحت شعار "الإسلام هو الحل"، وأئمة المساجد هناك جزء من نسيج هذا المجتمع.

 

مقتبس من كتاب من وحي العلمانية – رباب كمال

2016

 

التعليقات