رباب كمال تكتب: حاربنا جلباب الرجال فألبسناه للنساء!

 

كتب الروائي الراحل إحسان عبد القدوس ( 1919-1990 ) آخر سطور روايته لن أعيش في جلباب أبي عام 1982، وتم إخراجها للتليفزيون عام 1995 في مسلسل يحمل نفس الاسم، إلا أن من يقرأ الرواية يتضح له اختلافات واضحة سواء في السياق أو في رسم الشخصيات 

كتب السيناريو للمسلسل السيناريست  مصطفى محرم، وركز في حوار المسلسل  على شخصية عبد الوهاب المتدين العصري .

عبد الوهاب كان يرتاد المساجد ويلعب دور الحكيم في مواجهة المتطرفين السلفيين أصحاب الجلباب الأبيض المتكلفين في ملابسهم،  بينما كان عبد الوهاب يرتدي البنطال والقميص.. وهو ذاته عبد الوهاب الذي كان ينصح شقيقته نظيرة بارتداء الملابس الطويلة وهو ذاته من كان يقتحم على شقيقاته نفيسة وسنية غرفة النوم ليعنفهما على استماع الموسيقى والتمايل معها ..

هكذا كانت شخصية عبد الوهاب  تحارب الإرهاب في المسلسل، فهو يرى ارتداء الرجال للجلباب  تكلف بالرغم أن في عهد النبوة لم يرتدي فيه  الرجال القميص و البنطال .
وهو ضد الغلو الديني التي تمارسه الجماعات السلفية، لكن لا مانع لديه  من تعنيف شقيقاته عند سماع الموسيقى كما تفعل السلفية!

شخصية عبد الوهاب  المتدين العصري ليست ببعيدة عن المجتمع حينها و لربما كانت رصدا  دراميًا مبكرًا غير مقصود لمتلازمة محاربة  الجهاديين  على طريقة" لا لجلباب الرجال نعم لجلباب النساء" وهكذا حاربنا جلباب الرجال فألبسناه للنساء.   

حين بدأت موجة الإرهاب في التسعينات، بدأت معها  حملة تجديد الخطاب ديني، وحينها  لم  يستخدم المصريون هذا المصطلح، فكان المصطلح الشائع هو مناهضة التطرف والارهاب
وكان الخطاب الديني المناهض للتطرف لا يختلف كثيرًا عن ازدواجية شخصية "عبد الوهاب" وبدأت الدعوة لحجاب النساء تتزايد على يد دعاة خلعوا الجلباب  وارتدوا قميص وبنطال  الوسطية.

كان  لدينا أسلوبًا عجيبًا في حرب الإرهاب، فلسفته هي نبذ تطرف الجهاديين من ناحية   وممارسة التطرف على  النساء  وكافة أشكال الحياة و الُمتع من ناحية أخرى. فكيف لم نلتفت إلى  أن خطاب الوسطية لم يختلف عن خطاب السلفية إلا شكلا !

كيف لم نلتفت إلى أننا حاربنا الإرهاب بالتطرف؟! كيف لم نلتفت إلى أننا حاربنا الظلام بعتمة الليل؟

تذكرت شخصية عبد الوهاب كما جسدها الفنان محمد رياض في مسلسل لن أعيش جلباب أبي حين سمعت خبر عاجل مفاده أن الدكتور محمد أبو الخير مدير إدارة أوقاف غرب الاسكندرية اجتمع مع أئمة المحافظة لبحث سبل مواجهة الإلحاد في النوادي والشوارع ومواقع التواصل الإجتماعي لأنها ظاهرة تهدد المجتمع وسلامة الأمة  وكأن الملحدين هم من أطلقوا الرصاص على كمائن الشرطة والجيش .
وتذكرت شخصية عبد الوهاب حين سمعت عن تشديد الحملات الأمنية على الملاهي الليلية لملاحقة الراقصات في ذات اليوم الذي وقعت فيها حادثة اغتيال ضباط الشرطة في البدرشين بمحافظة الجيزة.

شخصية عبد الوهاب في مسلسل لن أعيش في جلباب أبي ليست فحسب  شخصية درامية بل تجسيد  لاستراتيجية السلطة السياسية والدينية والمجتمعية التي تحارب الإرهاب في المكان الخطأ وبالطريقة الخطأ وضد الأشخاص الخطأ
يا عزيزي كلكم عبد الوهاب

 

التعليقات