سارة سدراك تكتب: هل أهنت النسويات اليوم؟

لا تتوقف الإساءات والإتهامات للنسويات المصريات بإعادة إنتاج الخطاب النسوي الغربي وتبني قضايا غير ذات أولوية لمجتمعنا المحافظ. يتم إتهامهم يومياً بالإنحلال والتفرنج وتضخيم المشكلات مع تجاهل حقيقة أن الحركة النسوية في مصر ارتبطت تاريخيا وفكريا بنضال المصريين للتحرر من الإستعمار وتطورت بمراحل بناء الدولة المدنية, وأن جميع ماحصلت عليه المصريات من حقوق كان نتاج ذلك النضال ولم يكن أبداً منحة من اصحاب السلطة من جانب أي من الحكومات المتعاقبة على مصر بمختلف توجهاتها ومرجعياتها الفكرية والسياسية. نظرة سريعة لنشأة وتطور الحراك النسوي في العالم سنجد أن النسويات منذ بدايات حراكهن تبنين قضايا ضد العبودية والاستغلال وضد الحروب وكافة أشكال التمييز والعنف والعنصرية بشكل عام وليس فيما يخص النساء فقط.
النسويات المصريات ناضلن على مدار أجيال في مجالات متعددة ونجحن في تحقيق تقدم في بعض القضايا ومازالت محاولاتهن مستمرة للعمل على قائمة طويلة, منها حث الدولة على تفعيل قانون يجرم ختان الإناث، منع زواج القاصرات، الحق في التعليم، التمكين الاقتصادي، نفس الأجر لنفس العمل، الحق في المشاركة السياسية، استصدار قوانين للحد من العنف المنزلي والاغتصاب الزوجي، التوعية والضغط لتفعيل قانون ضد التحرش، المساعدة القانونية للنساء المعنفات، وقف نزيف مايسمى بجرائم الشرف بالدعوة لتغليظ العقوبات أو على الأقل تنفيذها، وغيرها من القضايا التي تبدو من البديهيات، وهي بديهيات فعلاً، اضطرتهن للانتقال من خانة النسوية الى خانة "المدافعات عن حقوق المرأة الأساسية".
في مصر لا يمكن استصدار تصريح لتأسيس منظمة نسوية تطالب بقانون يمنح الحق في الإجهاض مثلاً، ولا يتوافر مناخ حركي نسوي أو حقوقي يسمح لمجموعة من النسويات الراديكاليات بتنظيم أنفسهن في جماعة غير رسمية، لإيجاد سكن آمن ومصدر رزق للنساء والفتيات الهاربات من العنف الأسري أو من تهديدات الزوج كما في بلدان أخرى. لا يوجد كوميونات نسوية موازية أو حتى نسويات معاديات للرجال، ولم نرَ في مصر نسويات مؤمنات بالتميز البيولوجي للنساء أو فدائيات قرّرن مواجهة المجتمع بميولهن المثلية أو الإنجاب بدون زواج أو غيره، وذلك لأنهن ما زلن غارقات في مستنقع البديهيات الأساسية غير المعترف بها في مجتمعنا، مثل الحق في الحياة، الحق في أن لا تقتل امرأة لأنها مارست الجنس خارج إطار الزواج الديني، أو حتى الحق في التنقل بحرية والاستقلال المادي والنفسي عن الأهل أو الزوج.
للأسف لم أسمع أبداً عن مجموعة نسوية قررت الاعتصام أمام منزل رجل ضرب زوجته حتى الموت، أو ذبح أخته لرغبتها في خلع الحجاب مثلاً، لأنهن بذلك سيستوجبون العقاب, لا الجاني. لم أرَ مجموعة نسوية خلعت ملابسها كاملة -مثل فريق فيمن مثلاً- وهاجمت أعضاء برلمان أو تجمعن حول الأزهر أو الكنيسة اعتراضا على التمييز ضد المرأة. لا الدولة بقوانينيها المتمسكة بأكثر التوجهات الدينية تشدداً ستسمح بذلك، ولا هذا المجتمع العنصري الذي اعتاد احتقار النساء ويمارس يوميات هذا الإحتقار ضدهن بكل وقاحة وتلقائية كحق مكتسب يكرسه الشعور العام بالتفوق النوعي لدى الرجال. الحقيقة هي أن النساء -لا النسويات- ضربن بالأحذية والشلاليت يوم تجرأن ونظمن مسيرة في اليوم العالمي للمرأة عام ٢٠١١ لأنهن اعتقدن أن مناخ الثورة قد يسمح لهن برفع أصواتهن ضد العنف والتمييز، لتتحول ذكرى هذا اليوم الاحتفالي العالمي إلى جرح مؤلم لكل امرأة خدعها الأمل بإمكانية كسب مساحة آمنة في الشارع المصري أو في أذهان المصريين بشكل عام.
الغريب أن مع كل هذا العنف والتمييز والإحتقار الواضح للعين والمثبت في الأبحاث الميدانية بكل الأرقام الصادمة في الإحصائيات الرسمية وغير الرسمية، لم يدق أي ناقوس للخطر ولا ذرة تعاطف أو تفهم لدى أغلب الرجال، ليس هذا فقط ولكن الأسوأ أن يتحول الهجوم على النسويات المصريات في مصر والسخرية منهن بقسوة و تجنٍّ مذهل إلي مادة للتندر في المجالس الخاصة وفي العلن، من رجال يملك بعضهم ما يكفي من الجهل والوقاحة لأن يستيقظ يوما ما راغباً في التشهير بالنسويات من باب استخفاف الدم أو تعزيز موقعه داخل دوائر أصدقائه الجهلة ثقيلي الظل معدومي العقل والتمييز، اللهم إلا فيما يخص أوهام تميزهم الذكوري.
لا أدري عن أي نسويات يتندرون بينما امتلأت القبور بجثث صغيرات وأمهات ونساء عاملات وأخريات سعين للتحرر تم قتلهن لأتفه الأسباب. طفلات يتسربن من التعليم يوميا، يعملن بالسخرة في الحقول وبيوت الأغنياء دون حماية قانونية أو رعاية صحية، ويتعرضن لكافة أنواع القمع والظلم الاجتماعي والعنف، وأمهات يقبعن في قاع الفقر والجهل والمرض ولا يملكن من أمرهن أو أطفالهن شيئاً. أي ثورية وأي أفكار تقدمية تلك التي يتبناها رجل لا يملك ما يكفي من التمييز ليرى هذه الحقائق المؤلمة؟ أي غباء وتناقض وازدواجية تلك التي قد تدعو رجلا ما للدفاع عن الحق في الحريات الشخصية والمساواة بين المواطنين، بينما ما زال يحمل في داخله هذا الكم من الاحتقار لنساء مشروعهن الأساسي هو المساواة الكاملة للمواطنين؟ ألا يدركون أن هؤلاء النسويات أحد أهم حلفاؤهم لتحقيق الهدف الأهم للجميع: دولة العدل؟ وهن أصحاب مصلحة حقيقية وملحة لتحقيق هذا الهدف، حتى وإن اختلفت مرجعياتهن الفكرية وأدوات نضالهن عن رؤية الأغلبية من الرجال في هذه اللحظة؟ الحقيقة التي يتعامون عنها أن هؤلاء النسويات ’المجانين‘ اللاتي لا يخجلون من تبني خطاب الكراهية والتحريض ضدهن، يقفن في نفس الجانب من معركة الحرية. عداؤهم لكل من تبنى أولويات النضال النسوي وإصرارهم على تجاهل الأرقام المرعبة والمعلومات الخاصة بمعاناة النساء، أو ضعف اهتمام أغلبهم بدعم وتبني لائحة مطالب تخص النساء أو غيرها، هو عداء مباشر لحقوق الإنسان بشكل عام وللنساء خاصة. وهو بالتأكيد مؤشر لقصر النظر ومحدودية الرؤية وأحد روافد فشل جميع ما يتبنى هؤلاء الرجال ظاهرياً من مطالب إنسانية وتقدمية. أليس نضالهن هذا أحد أهم عناصر الدولة المدنية التي نحلم بها؟
الحقيقية التي لا يريد أحد الاعتراف بها أن مجالات العمل النسوي في مصر محدودة جدا نظراً لنوع الثقافة السائدة في المجتمع ونوع القيود المفروضة على العمل الأهلي من قبل الدولة. لكن العمل على القوانين التمييزية ضد النساء، سواء على مستوى قانون الأسرة والعنف المنزلي والاغتصاب أو المشاركة السياسة والتمكين وغيرها، جميعها مرتبطة بالواقع المصري ومبنية على احتياجات حقيقية للنساء المصريات. لكن كلما حاولت تلك المنظمات النسوية ومعها المجموعات الشابة العمل عمقاً على قضايا مجتمعية من المسكوت عنها، ثارت حفيظة المجتمع واعترضت الجهات الدينية ومعها الدولة، وهي نتيجة طبيعية لتبنيهم الصيغ الأكثر تشدداً دينيا فيما يخص قضايا النساء، بالإضافة إلى تدني وعي النساء بحقوقهن النوعية والإنسانية الناتج عن فقد قنوات التواصل بين هؤلاء النسوة والعاملات في هذا المجال، وهذه الإشكالية تحديداً تتحمل مسئوليتها الدولة والمجتمع. المجحف أنه كلما حاولت النسويات الاشتباك مع ملفات متنوعة من القضايا النسائية -وليست النسوية- علت أصوات الاستنكار والاستهجان لطرح هذه الإشكاليات، والإدعاء أن هذه القضايا مستوردة من الخارج وأن الخطاب النسوي المصري منفصل عن الواقع، وأن تبني هذه القضايا نوع من الترف الفكري والميل لتحدي ثقافة المجتمع بدل العمل لإصلاحه. أليس العمل على توثيق الانتهاكات التي وقعت بالفعل ضد النساء ومحاولة تعديل القوانين بما يتناسب ونوع هذه الانتهاكات وحجمها عملاً إصلاحياً واقعيا؟ عن أي واقع يتحدثون؟
عزيزي الرجل المناضل من أجل أي شيء وكل شيء إلا قضايا النساء,
دعك من هذا الهراء المذكور أعلاه. تجاوز هذا السرد الطويل الممل كما تتجاهل يوميات قمع أختك في المنزل، استنزاف حياة زوجتك في تنظيف ماتتركه خلفك من قاذورات، وانهماكها في طبخ ما لذ وطاب لملأ بطنك الضخم. تجاهل معاناة أمك المريضة بالضغط والسكر ونقص التغذية سنوات طويلة لتوفير مايكفي لتربية الذكر المتفاخر بفحولته في بنطالك. تجاهل حق البشر في الحرية والعدل الإجتماعي وموقفك الثوري الراديكالي فيما يخص مفهوم الدولة المدنية ودور القانون في حماية حقوق المواطنين على اختلاف أنواعهم وأديانهم وأوضاعهم الطبقية ولون بشرتهم. تجاهل حقيقة أن كل نضالاتك التاريخية العظيمة بجميع حقوقك البديهية كذكر مصري عتيد لا تساوي مجهود ومعافرة أنثى مقموعة تحاول التحرر وإثبات الذات في مجتمع رجعي وعدائي ضد كل ماهو مؤنث. استمر في تجاهل الواقع الردئ لكنك لن تتحرك خطوة واحدة نحو تحقيق أحلامك العظيمة دون مشاركة هؤلاء النسويات اللاتي تتسلى يوميا بإنتهاك حقهن في التعبير عن الرأي وتمارس ماتعودت عليه من إنتهاكات بالإستهانة بجهودهن والميل للتقليل من الشأن والإحتقار. اليس هذا حالك مع النساء جميعا؟

التعليقات