أشرف الصباغ يكتب: الباليه والرقص الشرقي.. بهجة التحليق بين السماء والأرض

لقد صُممت أدوات راقصة البالية، بما في ذلك جسدها، من أجل التغلب على الجاذبية الأرضية والتحليق نحو السماء. بينما صُممت أدوات الراقصة الشرقية، بما في ذلك جسدها أيضا، للالتحام بالأرض بفعل الجاذبية من أجل التحليق بها – بالأرض كلها - نحو السماء.
قد يرى البعض أن الباليه والرقص الشرقي فنان يختلفان في كل شئ، بما في ذلك التكنيك، عن بعضهما البعض. ويختلفان أيضا من حيث الجوهر والمنطلق. وقد يبدو هذا الكلام منطقيا. وهو كذلك بالفعل. ولكن لا ينبغي أن نمد الفكرة على استقامتها لندخل إلى إشكاليات تتعلق بالشرق والغرب، وإلى إسقاطات تُحَمِّل الأمور أكثر من ما تحتمل.
الباليه والرقص الشرقي فنان اثنان نابعان من بهجة التحليق نفسها، ومن الرغبة في التعامل مع الجاذبية الأرضية بفلسفتين تبدوان متعارضتين. الأول يريد التغلب عليها بوضوح ومباشرة وإصرار عبر جماليات وتقنيات وقدرات وطاقات تجعلنا نعيد النظر في قدرة الروح/ الجسد الجبارة. والثاني يخضع لها تكتيكياً من أجل ليس فقط إلغاؤها تماما بل وتغيير وظيفة مصدرها عبر تقنيات وقدرات وجماليات تجعلنا نراجع أفكارنا عن قدرة الجسد/ الروح.
الاثنان – الباليه والرقص الشرقي، ينطلقان من مبدأ الحركة والخفة. الأول نحو الأعلي، والثاني نحو الأسفل. ومسألة الأعلى والأسفل هنا، لا علاقة لها بالاتجاهات أو حتى بقيمة أي منهما، بقدر علاقتها بجوهر الوحدة الفنية ومهمة الفن ووظيفته في علاقتها جميعا بالمشاهد – المتفرج، وبحالته الروحية، وبردود أفعاله.
راقصة البالية تحلم بالطيران. وهي تطير بالفعل. تُحَلِّق وكأنها سابحة في الفضاء، وكأنها تحررت من الجاذبية الأرضية أو تحاول ذلك. على الجانب الآخر تجد نعيمة عاكف أو تحية كاريوكا أو نجوى فؤاد أو سهير زكي أو سامية جمال مربوطات بالأرض. يردن التأكيد على وجود الجسد وسطوته على الأرض، ورغم ذلك لا يمكننا سماع وقع أقدامهن على هذه الأرض، ما يعني شئنا أم أبينا أن هناك مراوغة ومناورة من أجل التأكيد على الشئ ونقيضه: الارتباط بالأرض عبر الوجود المادي والخفة التي تصنع مسافة بين القدمين وهذه الأرض. ومع ذلك لا يمكن أن نتصور أن أيا منهن تسعى للطيران أو التحليق. إنها ببساطة تسعى إلى انتزاع هذه الأرض بجاذبيتها.
فلسفتان للجمال والخفة والقدرة والطاقة تبدوان عكس بعضهما البعض. طريقتان للتفكير وعمل الدماغ ورؤيتان جماليتان تبدوان أيضا عكس بعضهما البعض. ولكنها تلتقي جميعا على أرضية الإرث الجمالي – الروحي - الجسدي والخيال والانطلاق. وعلى الرغم من التكوين الجسدي المختلف تماما لكل من راقصة الباليه والراقصة الشرقية، إلا أن كلا الجسدين هو بالنسبة للراقصين ليس إلا أداة لنقل تلك الشحنة الهائلة من الطاقة الفنية – الروحية، بعيدا عن التصريح واعتماد الجسد كوسيلة أولى للإغراء، أو الاعتماد عليه كأداة إغواء. إننا هنا أمام معادلة جمالية متزنة في كل من الفنَّيْن. جسد راقصة الباليه ذو المعايير الخاصة التي تُمَكِّنه من التحليق، والذي تظهر تفاصيله بالكامل من خلال الملابس – أيا كانت هذه الملابس - وجسد الراقصة الشرقية الممتلئ والمتناسق الذي يُمَكِّنها من الرسوخ بثبات على الأرض ويمنحها القدرة على الحفاظ على تلك المسافة الصغيرة للغاية بين قدميها وبين سطح الأرض، بينما الجسد الممتلئ المتناسق يتحرك بدقة وإحساس رفيع، وتظهر أيضا بعض تفاصيله، بينما يمكن أن نتخيل بقية التفاصيل ليس من زاوية الإحساس المادي من حيث التصريح والكشف، وإنما من زاوية التناسق الجسدي الجمالي، وربما عن طريق البوح المراوغ الذي يضفي على الجسد روعته واكتماله ودفئه.
ملامح وجه راقصة الباليه تتحرك بتناسق مع حركات جسدها في مساحة تعبيرية تذكِّرُنا بوظيفة الملامح وتعبيرات الوجه في السينما كوسيلة للتعبير. بينما بسمة الشفتين والعينين الدائمة والمميزة للراقصة الشرقية تُعَدُّ مقابلا موضوعيا لوظيفة الصوت في المسرح كأداة للتعبير. من الصعب أن يكون هناك أي انفصال بين تلك البسمة وبين وجه الراقصة الشرقية، ولا يمكن أصلا أن تكتمل الصورة الجمالية للرقص الشرقي بدون تلك البسمة التي نراها حتى على شفاه وفي عيون الفتيات الصغيرات غير المحترفات وهن يرقصن في القرى والنجوع، وفي أفراح المدن، أو حتى بمفردهن أمام المرآة، أو بين الصديقات. بما بالك ببسمة نجوى فؤاد أو تحية كاريوكا أو سهير زكي!
هناك مهابة روحية وجسدية لكلتا الراقصتين. أي حضور جسدي محاط بهالة شفافة للغاية من "القداسة". هذا الحضور يسحب المشاهد – المتفرج تدريجيا إلى مساحة جمالية روحية تتسع وتضيق وفقا لوعيه وثقافته ومدى إحساسه بالجمال وقدرته على التذوق. ولكن الأساس هنا في هذه المهابة وهذا الحضور ليس له علاقة إطلاقا بالمشاهد – المتفرج، بقدر علاقته الوثيقة بإحساس كلتا الراقصتين بجسدهما، والطاقة الجبارة التي تبذلها كل منهما من أجل تطويع هذا الجسد وضبط حركته في حالة راقصة الباليه، أو ضبط إيقاعاته في حالة الراقصة الشرقية.
إن عقل كل من الراقصتين أثناء الرقص يعمل بكامل قدرته وفي كل الاتجاهات. غير أن الأهم هنا هو أن الجسدين يفكران أيضا. أي أن وظيفة التفكير لدى راقصة الباليه والراقصة الشرقية لا تقتصر علي العقل، بل تنسحب أيضا على الجسد. وربما يكون ذلك أحد العوامل التي تميِّز الراقصة الجيدة عن الراقصة المتوسطة أو الرديئة. فالمسألة ليس لها أي علاقة بالجمال في حد ذاته، لأنه في حد ذاته لا يعني أي شئ، ولا يمكنه أن يؤدي أي وظيفة ذات قيمة. ولكن الإحساس بهذا الجمال هو الذي يمنح الجمال قيمته، ويعطي الجسد حقيقة وجوده. وإذا شئنا الدقة، فراقصة البالية يجب أن تشعر بقوة جسدها وقدرته وتناسقه من أجل تنفيذ مهمتها الفنية – الجمالية. أما الراقصة الشرقية فعليها أن تشعر بجمال تفاصيلها الجسدية ودفئها لكي تتمكن من إرسال هذا الكم الهائل من الطاقة والجمال في شكل موجات جاذبة تتسع تدريجيا لتشمل الفضاء المحيط.
قُدرتان مختلفتان تحركان في المتلقي كافة النوازع والمشاعر والأحاسيس بنسب تختلف من متلق إلى آخر حسب مستوى وعيه وطريقة تفكيره ونمط استقباله. لكننا في كل الأحوال لا نستطيع أن نفلت من أسر تلك الطاقة المبهجة لتلك الأجساد المفكرة، والمصممة على التحليق نحو السماء، ربما من أجل الإفلات من الأرضي وربما من أجل شد هذه السماء إلى الأرض وإنزالها وإخضاعها لجبروت الجسد وجماله وسطوته ووجوده المادي.. أو الالتصاق الخادع بالأرض – في حالة الراقصة الشرقية - من أجل إغوائها لإخراجها عن مسارها العادي والتقليدي وإجبارها ربما على التحليق، أو على الدوران في نسق مغاير تحت سطوة الجسد وحضوره الطاغي.

التعليقات