هناء نصير تكتب: فلنسمه سوسن

                                                                        

ندلل البنت بمخاطبتها بصيغة المذكر. لست واثقة إذا كان هذا من قبيل "التمليح"، وفقط. اللغة الذكورية لصيقة بلساننا. أضبط نفسي أقول: "الواحد يفعل كذا وكذا". أستدرك وأحاول أن أصحح إما باستخدام لغة المؤنث أو الجمع لعدم رغبتي في نفي الذكر، فلي أحبة من جنس الذكور. البداية ينبغي أن تكون من هنا: من العمل على أنفسنا كي نتبنى لغة مزدوجة كما سبق وفعلها الغرب.
أزعم أن هذا الوعي بضرورة فاعلية المرأة في اللغة، كخطوة مبدئية، كفيل بإزاحة الوعي الذكوري عن متن الحياة والكتابة. إكلاشيه "المرأة نصف المجتمع"، ربما يجدر به أن يفعّل في السياق اللغوي أولًا.
وربما يجدر في البداية الالتفات لضبط المصطلح. فالوعي بمظالم المرأة في مجتمع كمجتمعنا، أصبح يطلق عليه_ بتعميم مخل_ مصطلح النسوية. أرى ألا نستخدم مصطلح النسوية في هذا السياق، فهذا يظلم النساء. فأول ما يلتفت إليه البعض، جهل المتحدثة بكافة مشارب النسوية في أقاصي الأرض ومغاربها. فلنسمه سوسن. أو أية تسمية أخرى، لا ضير. المهم أن تكون تسمية تتطابق مع جوهر المعاناة التي يقرها أغلب المثقفين، والمشتغلين بالأدب، والمهتمين بمشاكل المرأة، ولا تصرف النظر عن جوهر القضية المركزية في آن.
عدم الوعي بأهمية توازن اللغة بين جنسي الإنسان، وكذلك عدم الوعي بأهمية تحطيم "مركزية القضيب"، ينتجان أدبًا تكتبه امرأة، لكنه ذكوري من حيث الوعي. ربما لم تكن الكاتبة التي تكتب رواية تصور عذاباتها في حضور الرجل، وتحت وطأة المجتمع، محظوظة بقراءة ما يمكنها من الوعي بهذه القضية قبل ممارستها للكتابة. أو ربما كانت متكاسلة عن الإلمام بأدوات صنعتها قبل الخوض في تجربة الكتابة المهيبة.
كنت من المحظوظات بالاتصال برؤى نقاد لفتوني لهذا مما استدعى ملاحظاتي حول رواية أليس واكر "اللون القرمزي"، وكانت من أولى قراءاتي في الأدب الأمريكي. هذه الرواية النموذج، شكلت وعيي فيما يخص كتابة المرأة وتحررها من هيمنة المجتمع الذكوري داخل النص. الشخصية المحورية في الرواية تحررت من الرجل، حتى على مستوى العلاقات الجنسية. فهي لم تتوقف عند حد إيجاد عمل تعتاش منه وتتخلص نهائيًا من سطوة الرجل الذي كان يمتهنها ويستغلها ماديًا وجنسيًا. بل بنت لنفسها عالمًا يخلو من الرجال. ربما يكون في ذلك مغالاة، لكنها مبررة في الرواية بسبب حجم الأذى الذي تسبب فيه لها الرجل الذي كان زوجًا لأمها فاغتصبها وأستولدها عددًا من الأطفال عرضهم للتبني.
بطبيعة الحال، ليست كل روائية مطالبة بإقصاء، أو إخصاء، الرجل في رواياتها. لكن ليس معقولًا كذلك أن تدور في فلك الرجل طيلة الرواية، وهي التي تئن من نار قربه. فلتصنع الكاتبات عوالمهن الخاصة ويبقى لهن حرية الاختيار في استبقاء الرجل الذي يحترم عالمهن هذا، أو لا، كل بحسب ضرورات العمل الفني. وليرفعن شعار: وداعًا للمركزيات.
 

التعليقات