حاتم سلامة يكتب: أيتها الظروف.. حفزيني !

 
بعض الظروف تقوم مقام المشجعين والمحفزين وتستخرج المواهب والقدرات من النفوس أفضل مما لو اجتمع عليها آلاف الخبراء والمنظرين في علم التنمية البشرية الذين يعجزون عن بلوغ درجتها ونتيجتها وقدرتها..
إن كثيرًا من المواهب قابعة في النفس، تكمن في وجدان الإنسان، وربما لا يدري بها أو يعلم بوجودها أو يدرك أبعاد رغبتها في الظهور.. وكم يدهشنا القدر حينما نرى كثيرًا من هذه المواهب تندفع لطريقها في الحياة دون تعمد من أصحابها.. حينما ساقتهم إليها الأحداث والظروف والأقدار دون قصد أو معرفة أو تخطي ..
حدثني أحد أصدقائي الخطاطين البارعين أنه بلغ في عالم الخط حدا كبيرا من إتقانه ورسمه، مما أهله للفوز بالمراكز الأولى في مسابقات كثيرة وكبيرة أدرت علي مبالغ جيدة من المال، وأن هذا الاهتمام والتوجه لعالم الخط.. لم يكن الدافع إليه إلا مجرد ظروف وصدفة عادية غير متعمدة أو مدبر لها..حين رأيت صديق أخي في مرة من المرات وهو يكتب بالقلم الحبر على شرائط الكاسيت فأحببت أن أحاكيه وأقلده.. ثم شيئا فشيئا تعلقت بالموضوع، وتطور بي الأمر لدرجة العشق والهوس بالخط العربي، حتى صرت على ما أنا عليه الآن!
وكانت الظروف قد فعلت فعلها الساحر في استخراج هذه المواهب وهي التي لا تعتمد على تحفيز او تشجيع وإنما تشق سبيلها بالصدفه الغريبة فكيف بنا لو حاولنا التنقيب عما بدخل من حولنا من المواهب ومحاولة استخراجها لساحة النور؟ لا شك أننا سنستخرج كثيرا من اللآليء الدفينة والجواهر المخفية..
لقد لعبت مثل هذه الصدف والظروف غير المتعمدة لعبتها مع رجل له بصماته في عالم الصحافة العربية بل هو أميرها ورائدها ومن أوائل البارعين فيها ..نعم هذا حدث في حياة أمير الصحافة الأستاذ (محمد التابعي) الذي وجد نفسه كما قيل: متورطاً في عالم الصحافة والقلم دون إصرار منه على ذلك ..فالمسألة كلها كانت صدفة وضعته فيها الظروف، ففي يوم من الأيام قرأ التابعي هجومًا من صحيفة الاحتلال الانجليزي (الإيجيبشيان ميل) على أسلوب المظاهرات الشبابية المعادية للإنجليز في أحداث ثورة 1919، مما أثار حفيظته وغضبه ولم يدر بنفسه إلا وهو يكتب بقلمه أول مقال له بالانجليزية ينتقد فيه رأي الصحيفة، ثم كانت دهشته الكبيرة عندما نشرت الجريدة مقاله وياليت هذا فحسب وإنما نشرته في مكان بارز مع تعليق عليه.
كانت هذه هي الخطوة الأولى التي تشجع بعدها التابعي ليكتب رسالة أخرى ويبعث بها إلى الجريدة لذات الصحيفة وكانت عن الموظفين الإنجليز الذين يستنزفون أموال الدولة ولا يقومون بأي عمل، ويعلق على هذا المقال بقوله: (لم يكن لدي في الحقيقة أي أمل في نشر تلك الرسالة، ولكنني فوجئت بأن الجريدة نشرتها في مكان بارز أيضًا). أدرك التابعي وقتها أنه من الممكن أن يستمر، وأنه من الممكن أن يكون كاتبًا وأن هذه الصدفة او الأحداث التلقائية التي دفعته لهذه الراسلة كانت مشجعًا كبير ودافعا له ليستأنف الكتابة ويلج عالم الصحافة ويواصل كتابة رسائله عن الإنجليز واستبدادهم في مصر واحتكارهم للوظائف الهامة في الدولة، وكانت رسائله تنشر تباعًا بتوقيع (M.T.M)، وهي الحروف الأولى لاسمه الثلاثي.. إلى أن تكونت صداقة بينه وبين مستر (أوفارول) رئيس تحرير الجريدة، وهو الذي دعاه ذات ليلة لمشاهدة مسرحية «غادة الكاميليا» ليوسف وهبي وروز اليوسف بمسرح رمسيس، ولما انتهى العرض كان للتابعي تعليقه الفني على المسرحية وأداء الممثلين وهو ما أعجب (أوفارول) وطلب منه أن يكتب مقالًا ناقدًا للمسرحية لنشره في مجلة «سفنكس» التي كان يشرف عليها بجانب «الإيجبشيان ميل»، وانزعجت فرقة رمسيس النقد، وكلفت جريدة «النظام» بالهجوم على ما كتبته الصحيفة الإنجليزية، ولما قرأ «التابعي» الجريدة رأى أن يرد عليها بأول مقال له بالعربية، نشره في جريدة «السياسة» لحزب الأحرار الدستوريين، ويقول عن ذلك: «هكذا بدأت أدخل بلاط الصحافة عن طريق الهواية».
وفي عام 1924م يكتب في الأهرام ليكون دخوله الحقيقي والجدي لعالم الصحافة حيث كتب فيها مقالات فنية في النقد المسرحي تحت اسم (حندس) وهو اسم مستعار ويعني الظلام الدامس، ويقصد به التخفي حتى لا يعرفه أحد، لأنه كان يخشى على وظيفته الحكومية لحساسية موقعها في سكرتارية مجلس النواب، ثم شجعه النشر في الأهرام على ما تذكر كريمته الدكتورة (شريفة التابعي) على الكتابة لعدد من الصحف مثل (أبو الهول والسياسة والنظام والإجيبشيان ميل) وبنفس الاسم الوهمي (حندس)، ومما قالت: أن يوسف وهبي كان يعجب بمقالاته، وينتظرها حتى وهي تهاجمه وتنتقده ، ووصف كاتبها التابعي بقوله: أنه يسقيني السم في برشامة.!!
وهكذا بدأ مشوار التابعي الذي صار أمير الصحافة.. لقد كان موهوبا وصاحب قلم جريء وقوي.. لكنه لم يكن يعرف ذلك من نفسه ولم يكن يدر حجم مواهبه وقدراته التي تتقد بين ضلوعه وتكمن في ثنايا أنامله حتى جاءت الأقدار، ومنحته من عطائها وامتدادها.. وشاء الله للظروف وحدها أن تخرج هذه الموهبة وتظهر هذا القلم العبقري دونما مشجع أو محفز.
ما أسعد هذه المواهب التي اكتشفتها الظروف وساعدت في إخراجها ..وما أتعس ألوف المواهب التي لم تصادقها مثل هذه الظروف التي تحفزها وتوقظ فيها أشعة الإبداع.

loading...
التعليقات