رباب كمال تكتب: إحالة إمام مسجد للنيابة بتهمة التحريض.. خطوة نحو رفض التمييز الديني..

 

لا يمكن أن ننكر أن هناك  تقصيرًا من بعض أو كثير من  مؤسسات الدولة القانونية والإعلامية  في ملف الحض على الكراهية الذي يطال الأقليات الدينية في مصر خاصة في صعيد البلاد.
إن تخاذل مؤسسات الدولة وتعتيم الإعلام على جرائم الحض على الكراهية ضد الأقليات  من أسباب الاحتقان الحقيقي؛  والاعتقاد بأن تكتم  النعرات الطائفية أو تجاهلها إعلاميا ً يساعد على الاستقرار ما هو إلا اعتقادًا  مخطئًا من الدولة المصرية، واختزال معركة المواطنة بتهنئة دار الافتاء للمصريين المسيحيين بأعيادهم ليست لب الموضوع ولا مربط الفرس الحقيقي.

كما أن تعليق الانتهاكات والتمييز ضد المسيحين في مصر على شماعة التشدد المنتشر في المجتمع ُيعد  بمثابة تنصل الدولة ومؤسساتها من دورها السيادي، فالقانون له دورًا حتميًا  في التصدي للأحداث الطائفية أو التحريض العنصري، وتجاهل مثل هذه الأحداث أو تبريرها سيوقع الوطن في مشاكل جمة.
إن مفهوم الوطن أكبر من مجرد زيارة رئيس البلاد  للكاتدرائية في احتفالات أعياد الميلاد المجيد كل عام، وأكبر من مجرد عناق القسيس للشيخ كلما توترت الأجواء بنفحات المتشددين.

حالة الإنكار التي نمر بها في مصر إزاء مواجهة مشكلة الطائفية ضد الأقليات الدينية أصبحت مرضية، وكل قلم أو صوت يعلو لمجابهة الأزمة الحقيقية ..ُ يتهم بأنه يثير الفتنة ويؤججها.
فمن يثير الفتنة تحديدًا؟ مرتكب الجريمة أم من يستنكرها ويرفضها ويحاربها جهارًا نهارًا! إن دفن رأس نعامة التطرف في رمال الوحدة الوطنية لم ُيعد ُمجديًا بل أصبح مهددًا لمفهوم المواطنة.
وفي سلسلة التحريض الطائفي؛ خرج علينا إمام مسجد الخلفاء الراشدين في مدينة 6 أكتوبر وأتحفنا بفتوى مفادها أن المسلم إذا قتل مسيحياً بأحد دور العبادة فيعاقب بأي عقوبة أخرى غير الإعدام، وذلك لأنهما غير متكافئين في الدم ودم المسلم أعلى شأناً من دم غيره وأضاف أنه من أراد أن يقول أن ذلك عنصرية فليقل ماشاء.
وهكذا جفت الأقلام وطويت الصحف كعادتها، لكن هناك من أبى أن ُتطوى الصحف، هناك من فتح الصحف من جديد وقرر أن يواجه هذا التحريض علانية؛ وكانت كلمة السر هي "النيابة الإدارية"
حيث أمر رئيس هيئة النيابة الإدارية يوم 4 ديسمبر 2017 بإحالة واعظ تابع لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف - بمحافظة الجيزة للمحاكمة العاجلة، علمًا بأن رئيس هيئة النيابة الإدارية هي المستشارة فريال قطب، لتتصدى هذه السيدة الشجاعة إلى هذا التحريض الطائفي العنصري المعلن لتثبت لنا أن دور المرأة المصرية في موقع قيادي لا يقل بل يزيد من ثقل هذا المنصب، العجيب أن مجلس الدولة حتى الآن يناقش إمكانية تعيين النساء من عدمه في مجلسه الموقر، فنقول لهم: لكم في المستشارة فريال  قطب رئيس النيابة الإدارية أسوة حسنة!

أما البيان الذي خرج من إدارة الإعلام بالنيابة الإدارية فكان واضحًا دقيقًا خاليًا من المواربة أو اللف والدوران القانوني، كان بيانًا في مقتل سطره المستشار محمد سمير المتحدث الرسمي باسم النيابة الإدارية
ما نستخلصه من البيان هو الآتي:
أولا:  البيان أشار للواعظ الديني بالمتهم، أي أن الإمام وقف كمواطن له حقوق وواجبات أمام القانون، وهنا كان متهمًا بالتحريض ضد مواطنين مصريين.
ثانيًا: استشهد البيان بالمادة 53 من الدستور ( دستور 2014 ) وهي مادة عدم التمييز، وللعلم فإن هذه  المادة توصي بإنشاء مجلس لمناهضة كافة أشكال التمييز ولم يتم تشكيله حتى يومنا هذا، فلعل المانع خيرًا
ثالثًا: قامت النيابة الإدارية بسؤال مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الشريف عن الموقف الرسمي من هذه الفتوى المحرضة فجاء الرد من المجمع بأن ما قاله المتهم يخرج عن منهج الدعوة جملة وتفصيلاً.
وهنا لنا وقفة طويلة حيث كان من المفترض أن يخرج علينا المجمع ليتنصل من هذا التحريض  حتى لو لم تحرك النيابة الإدارية قضيتها، مما يضع علامات استفهام حول دور المجمع خاصة وأن هذه الواقعة قديمة تعود لشهر يناير 2017، فلماذا ترك المجمع-  وهو مؤسسة حكومية – المتهم يباشر مهام الوعظ طول هذه المدة دون مساءلة؟ وهنا يتجلى لنا الدور الحتمي للقانون في عدم ترك فتاوى التحريض في يد تجديد الخطاب الديني وحده، فالدولة ومؤسساتها لا يجب أن تنتظر تجديد الخطاب المتعثر، فالوطن لا يتحمل هذا الإهمال الجسيم .
رابعًا: انتهى البيان بالكلمات الآتية: نحن في  وطن تغتال فيه يد الإرهاب الخسيسة أرواح مواطنيه دون تمييز بينهم متى رأى أولئك السفاحين اختلاف الضحية عنهم عقيدة أو مذهباً بل وحتى فكر سياسي ، وتذكي مثل تلك الآراء الدخيلة - لا على الدين الإسلامي أو الأديان الأخرى بل على الإنسانية برمتها - نار الفتنة والاختلاف فقد بتنا في حاجة إلى ما يجمع أفراد هذا الوطن ويؤلف بينهم على اختلافهم وبما يرسخ ويؤكد اننا جميعاً نؤسس لدولة القانون وننأى بأنفسنا عن الأفكار الظلامية والفتاوى الشاذة التي لا تبني وطناً أو تخلق مجتمعاً صحيحاً. 

الخاتمة:
لربما أننا ننتقد مؤسسات الدولة كثيرًا خاصة حين  تتجاهل الأحداث  الطائفية، إلا أن الغرض من الانتقاد هو تصحيح المسار، لا يسعنا سوى أن نسلط الضوء على  هذا البيان التاريخي  الذي تعلن فيه النيابة الإدارية أنها لن تتهاون مع أي تحريض عنصري يحض على الكراهية  ضد المواطنين المصريين.
ما فعلته النيابة الإدارية نقطة بيضاء في صورة حالكة السواد، لكنها نقطة تستحق الإشارة.  

 

التعليقات