حاتم حافظ يكتب: الضمير.. الإيمان.. القانون

 

في أحد أشهر الموضوعات الدينية إثارة يقول الفقهاء إن الرجل حين يستمتع مع زوجته فإنه أيضا يحصل على "ثواب"، لكن هذا الثواب الذي هو بمثابة عرض مزدوج مع المتعة لا يكون ممكنا إلا في حالة أن يفعل الرجل ذلك بدافع الضمير. قد يكون مزيج الرغبة والضمير هذا مدهشا لكنه في النهاية يبدو أقرب للمنطق منه للسذاجة الدينية. الرجل ينام مع زوجته ليستمتع لكنه أيضا ينام معها ليمنع نفسه عن الاستمتاع بأخرى لا تحل له. يشجع الإيمان على ترك المعصية بقدر تشجيعه على فعل الخير. كل معصية تهم بفعلها ثم تتراجع عنها في الوقت المناسب تجزى بها. سمعت ذات مرة أحد علماء الدين يقول إن المؤمن يجزى على طعامه أيضا! بشرط أن تكون نواياه موجهة ليس لحب البقاء ولكن لحب البقاء من أجل مزيد من الطاعة! يقول إذا أطعمت نفسك بغرض أن تبقي على نفسك حيا معافيا من أجل الاستمرار في تعمير الأرض التي أخلفك الله عليها فأنت مجازى، أما إن أطعمت نفسك بغرض أن تشبع جوعك فقد انتهى طعامك عند حد إشباع جوعك.

الطريقة التي يفكر بها الدين مفيدة جدا لتعميق علاقة البشر بالله، لكنها ليست ذات جدوى كبيرة في تعميق علاقة البشر ببعضهم البعض. في العلاقات البشرية لا يمكن التعويل دائما على الضمير لأن الضمير ببساطة غير رادع طوال الوقت ولا يمكن الاطمئنان إليه. لذلك اخترع البشر القوانين. القانون يحدد لك الطريقة التي يجب أن تعيش بها حتى لا تطغى على الآخرين كما يحدد للآخرين الطريقة التي يجب أن يعيشوا بها حتى لا يطغوا عليك.

لذلك فإن دعم المساواة والحرية والعدالة وغيرها بمصطلحات الضمير أو الدين لا يمكن التعويل عليه في تحقيق المساواة والحرية والعدالة. يمكنك أن تكون صاحب ضمير أو لا تكون.. أن تكون متدينا أو لا تكون.. في النهاية أنت حر.. لكن في الدولة القانونية عليك الاحتفاظ بضميرك وتدينك لنفسك، فسواء كنت مؤمنا أم لا وسواء كنت صاحب ضمير أو لا فأنت تحت طائلة القانون. فلنأخذ مثلا : أكثر الأوامر الدينية انتشارا في كل العقائد: لا تقتل. يمكن لكل الأديان أن تنصح أتباعها بألا يقتلوا بعضهم البعض، لكن لا يمكن الاعتماد على ذلك كثيرا. حتى الأديان نفسها اخترعت قوانينها لتردع هؤلاء الذين لا يجدي معهم الكلام عن الضمير أو الإيمان ولا يخافون الله.

لا يمكن تدعيم المساواة بين المواطنين المختلفين في العقيدة والملة واللون والجنس بمصطلحات الضمير والإيمان. بمصطلحات الضمير والإيمان أنت تخاطب مؤمنين لا مواطنين. أنت - كمسلم - لا تضيق الخناق على جارك - المسيحي - إذا كنت مقتنعا بأن دينك يلزمك بمراعاة أهل الكتاب وأهل الذمة، لكن.. مفاجأة.. جارك ليس أهل كتاب.. ولا أهل ذمة.. جارك مواطن لا تتمايز عنه - كمواطن - بأي شكل. وعقيدته أو عقيدتك لا دخل لها بكونكما متساويين. لأنه - ويالمصادفات القدر - يسكن جواركما مسلم آخر - يؤمن إيمانا يقينيا بأن جاركما المسيحي ليس فحسب ذمي لكن أيضا يجب عليه دفع الجزية وهو صاغر وإلا وجب عليه - بالأمر الإلهي - أن يقاتله، لولا أنه لا يقاتله فقط خوفا من القانون. قد يكون هذا الجار يخاف القانون أكثر مما يخاف الله - وهذا حسن - وقد يكون يخاف الله لكنه يجد الوقت غير مناسب الآن للاقتتال، وبانتظار أن يعد له العدة فإنه سيظل مرتعدا بالقانون.

ما الخطأ إذن؟!.. الخطأ أن الدولة بأجهزتها القانونية مصبوغة هي نفسها بمصطلحات الأخلاق والإيمان ولم تتقوّنن بعد إن جاز التعبير. جرّب أن تشكو لموظف سوء أدائه سوف يخبرك في التو إنه "يراعي الله في عمله"، هو لا يعرف - مثلما لا تعرف الدولة كلها - أن التعويل على مراعاة الله لا تقيم دولة حقيقية. أنا - كمواطن - لا أريد رئيسا يخاف الله لكني أريد رئيسا يخاف القانون.. لا أريد شرطيا يراعي الله ولكن يراعي مقتضيات وظيفته. لأن الشرطي الذي يراعي الله أكثر من مقتضيات وظيفته ينصّب نفسه آمرا بالمعروف. سوف يغض البصر عن افتراش الناس الشوارع للصلاة وتعطيل المرور لكنه لن يسمح أبدا لعدة مواطنين - تصادف أنهم مسيحيون - لإقامة صلاتهم في منزل أحدهم!

إن ضمير البشر غير كاف لوصول محافظ (تصادف أنه مسيحي) إلى مكتبه في المنيا وغير كاف لأن يتسامح البشر مع رغبة مواطن (تصادف أنه شيعي) في الاحتفال بشعيرته. وغير كاف لمنع الأغلبية السياسية من حرمان الأقليات السياسية من انتقاد السلطة. وغير كاف لمنع الأغلبية الدينية من اضطهاد الأقليات الدينية. إن أردنا دولة قانونية علينا أن نتحدث بلغة الدولة القانونية وندافع عن علاقتنا الجيدة بالآخرين بلغة الدولة القانونية وأن نبقي على علاقتنا بالله بيننا وبين الله. تبادل المواطنين مخاطبة بعضهم البعض بلغة القانون هو الذي سوف يحد من الصبغة الأخلاقية للمؤسسات القانونية للدولة ويفرض عليها أن تخضع للقانون.

التعليقات