رباب كمال تكتب: تونس .. شوكة في حلق الأزهر !

 

 

لازالت تونس شوكة في حلق الرجعية، ولطالما كانت تونس سباقة بمشروع مجلة الأحوال الشخصية الصادر لعام  1956 والذي منعت من خلاله  تعدد الزوجات وساوت بين النساء والرجال في حق الطلاق المدني .

وتخرج علينا تونس في عيد المرأة التونسي عام 2017  من خلال رئيسها  باجى قائد السبسي، الذي يعلن  بدوره عن  ضرورة المساواة في الإرث بين المرأة والرجل وحق المسلمة في الزواج من غير المسلم،  مساواة بحق الرجل في الاقتران بغير المسلمة، فزلزلت الأرض زلزالها في الوطن الناطق بالعربية .

أطلق الأزهر زئيرًا مسموعًا غاضبًا، فردت تونس بأن هذا شأن داخلي رافضة وصاية الأزهر عليها، و اندلعت حرب الفتاوى بين إفتاء تونس وإفتاء مصر القابعة تحت سيادة الأزهر .

ما يخشاه الأزهر هو عدوى الحقوق والمساواة بين النساء و الرجال التي قد تضرب المنطقة، فُتخرج المرأة من تحت سيطرة الأسر المجتمعي وسطوة الموروثات  .

 و ليس الأزهر وحده من يخشى هذه العدوى بل كثير من المجددين الذين ارتدوا قناع الوسطية؛  كشروا عن أنيابهم الأصولية حالما ووردتهم الأخبار من تونس الخضراء .

تذكرت أنه قبل عدة شهور اتصلت بي قناة "بي بي سي" الإذاعية الناطقة بالإنجليزية لاستضافتي أثناء تصوير برنامجًا وثائقيًا  اسمه " The Battles of Al Azhar    "عن تجديد الخطاب الديني،  واخترت أن أتحدث عن قضية تجديد الخطاب الديني من خلال قضية  المرأة حيث أن قضايا حقوق  المرأة كاشفة للمدعين الذين يصدعون روؤسنا عن تنوير العقول ، و كان من بينهم باحث  مجدد احتل مساحات شبه يومية من القنوات الفضائية ليحارب شيوخ التطرف، فاتضح أنه يمثل درجة مختلفة من التطرف ليس إلا

و لكل هؤلاء الذين تشدقوا بأن الأزهر كان مستنيرًا مدافعًا عن حقوق المرأة في الماضي البعيد، نذكركم بنفحات من تاريخه ..

تاريخ اهتممتُ به كموضوع للدراسة في  كتاب (من وحي العلمانية)  الصادر لعام 2016  والذي  ضمنتُ فيه بابًا بأكمله عن معارك النساء في مواجهة الأصولية لنعي أن المرأة لطالما كانت في عرين الأزهر، وجاء فيه ما يلي :

***

 

اشتدت معارك النساء في مصر  في مواجهة السلطة (الملكية الدستورية حينها) متمثلة في البلاط الملكي والحكومة في نهاية الأربعينيات من القرن العشرين . كثير من هؤلاء النساء المطالبات بحق المرأة السياسي.. رفعن شعارات حقوق المرأة في الإسلام، فألقت بهم السلطة إلى عرين الأزهر باعتباره مؤسسة دينية شرعية ولطالما عاون الأزهر الملكين فؤاد وفاروق في ترويج صورتيهما كخلفاء للمسلمين.. أي كان يتم تطويع الأزهر لخدمة البلاط الملكي.

أصبح الأمر في جعبة الشيخ حسنين محمد مخلوف مفتي الديار المصرية، وأصدر فتواه في أبريل 1952 بعدم جواز تصويت المرأة أو ترشيح نفسها في انتخابات المجلسين سواء النواب أو الشيوخ حسب الشريعة الإسلامية، وقال المفتي إن حقوق المرأة.. ما هي إلا ضجة أحدثتها بعض النساء.

استند مخلوف في فتواه إلى التعبيرات المطاطة عن تكريم المرأة، وكان أبرز ما جاء فيها، أن الإسلام حمى أنوثة المرأة من العبث، وباعد بينها وبين الخلوة مع الرجال، كما حرم الإسلام أن تُبدي المرأة زينتها وحرم التشبه بالرجال في أمور الولاية.. وجاء في نص الفتوى..

"هل تريد المرأة أن تخترق الأسوار؟ وتقتحم على الرجال قاعة البرلمان فتزاحم في الانتخابات والجلسات والتردد على الوزارات والسفر إلى المؤتمرات، وما إلى ذلك مما هو أكبر إثما وأعظم خطرًا من ولاية القضاء بين خصمين، وقد حرمت عليها. اتفق أئمة المسلمين على تأثيم من يوليها، تاركة زوجها وأطفالها وبيتها في يد من لا يرحم وهذا لا يُقره الإسلام، اللهم إلا من يدفعه تملق المرأة وغضبها إلى مخالفة الضمير والدين ومجاراة الأهواء، إننا ننتظر من السيدات الفضليات قبل أن يحرصن على خوض الانتخابات أن نسمع منهن صيحة مدوية للدعوة إلى وجوب تمسك النساء بأهداب الدين والفضيلة في الأزياء".

تبني الأزهر الفتوى في يونيو من نفس العام( 1952)، وأصدر بيانًا قال فيه إن عضوية البرلمان وهي ولاية سن القوانين من الولايات العامة التي قصرتها الشريعة على الرجال، واستشهد بيان الأزهر بحديث "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة".

فشلت المحاولات في كبح جماح الحركة النسوية بالرغم من محاولة السلطة الاستناد لفتوى مفتي الديار مخلوف حسنين، وانتصرت المرأة المصرية في معركتها، ونالت حق الترشح والانتخاب في قانون مباشرة الحقوق السياسية عام 1956 وأسدل الستار على فتوى الأزهر.

حاول أمين عام الفتوى بالأزهر الشيخ عطيه صقر أن يقود حرب الردة على الحقوق السياسية للنساء عام 1997، مطالبًا الدولة باللجوء إلى تفعيل فتوى الشيخ مخلوف بحرمان المرأة من حق التصويت والترشح ولكن القيادة السياسية تجاهلته.

 

الدروس المستفادة من تصدي الحركة النسوية لفتوى الأزهر عديدة ومنها :

أولا :

فلنتخيل أن فتوى الأزهر بحرمان النساء من المشاركة في الانتخابات البرلمانية كانت قد صدرت في هذه الآونة، لربما كنا فشلنا في التمييز بينها وبين الفتاوى السلفية الوهابية وهذا إن دل على شيء فهو يدل على أن عبارة "الأزهر الوسطي"، عبارة غير منضبطة وشديدة النسبية، فما كان يعد من الأمور الوسطية المقبولة قبل 63 عامًا أصبح في عداد التزمت والتطرف في عصر اليوم بالرغم من الردة الحضارية التي عانينا منها.

 

ثانيًا:

إن دعوات الخطاب الديني التي تنادي بالنظر في ماضي الأزهر من أجل تجديده.. ترتكب خطأ فادحًا، فالتجديد صفة الحاضر وليس الماضي والنماذج التي يُعتد بها كنماذج للفكر المستنير مثل محمد عبده وعلي عبد الرازق لا تمثل الأغلبية بالضرورة، وأحد الأدلة على ذلك كان فتوى الأزهر الرسمية ضد حقوق النساء السياسية، فليس كل قديم مستنيرا كما يتم الترويج له في إعلام اليوم، والفكر المتزمت موجود حتى من قبل الغزو الوهابي لأروقة الأزهر.

 

ثالثًا :

إن أكبر الدروس المستفادة من تحدي الحركة النسوية لفتوى الأزهر.. هو الإدراك بأن الخطاب الليبرالي والحقوقي والثقافي لا يجب أن يذعن وينصاع للخطاب الديني المتزمت أو ينتظره حتى يتجدد بل يحمله على التغيير ومواكبة متطلبات العصر، ولذا فإنّ تجديد الخطاب الديني ليس حكرًا على شيوخ الأزهر وحدهم.. بل يبدأ بتجديد الخطاب الثقافي نفسه والتخلص من غبار الأسلمة الذي لحق به على مدار السنوات الماضية و على المجددين في الخطاب الديني اللحاق بركب الحضارة وإلا سيتعرض تراثهم الديني للانقراض.

كتاب من وحي العلمانية – 2016

التعليقات