أحمد عبدالعليم يكتب: التعليم وصناعة التطرف

 

لقد دعمت العملية التعليمية بتوجهاتها الحركات المتطرفة ومنحتهم مصدرا لا ينضب من المتشددين من خريجي الجامعات والمعاهد المتوسطة، المعدين سلفا (داخل المدرسة) لقبول مثل هذه الأفكار، نتيجة لتنشئتهم على قيم السمع والطاعة، والرأي الواحد (الصائب)، وافتقادهم مهارات النقد والتفكير، والقدرة على اتخاذ القرارات، والثقة في النفس، وفهم الذات وقبول الآخر، وتقبل الاختلاف، فعلى مدار العقود الأخيرة؛ تشهد منظومة التعليم تراجعا على كافة المستويات، في ذات الوقت الذي تشهد فيه عدد من محاولات التطوير ــــ مازالت مستمرة ـــــ  إلا أن محاولات العلاج والتطوير التي حدثت تتسم جميعها بالعشوائية، والشكلية، والصورية؛ حيث انصبت جهود الاصلاح في تعديل عدد سنوات التعليم الابتدائي من ست سنوات إلى خمس سنوات، ثم العدول عن هذا؛ وإعلان عودة السنة السادسة، وفي (الثانوية العامة) كانت محاولات التعديل تسير في نفس المسار، ربط سنوات التعليم الثلاث في إطار (المجموع الكلي) حيث انقسمت (الثانوية العامة) إلى مرحلتين، وهناك توقعات حول ربط السنوات الثلاث قي هذا السياق، ومن ثم العودة مرة أخرى لفصل السنوات الثلاث وهو موضوع يرتبط في صميمه بالبعد الشكلي.

أما من ناحية المضمون فلقد دخل على المقررات الدراسية حزمة من التعديلات الصورية مثل: إدخال الحاسب الآلي في المدارس، تغيير في بعض المقررات الدراسية بغرض (تحديثها) بحيث تصبح مواكبة للتطورت العلمية المتلاحقة، وهي محاولات تبدو في مظهرها مؤثرة، ولكنها لم تؤت أكلها لأسباب موضوعية أهمها: أن منهجية التعاطي مع عملية التعليم لم تختلف، فمازال التلقين هو الأسلوب السائد، فالمدرس لا ينتظر من التلاميذ سوى أن يجلسوا هادئين (صامتين) حتى يستقبلوا ما يمليه عليهم من معلومات وتعليمات. ومازال التحصيل (الحفظ) النظري أهم من الممارسة العملية، حيث يوجه القائمون على العملية التعليمية (جميعهم) جل اهتمامهم للمادة الدراسية على نحو يجعلهم يهملون ميول الأطفال وقدراتهم والفروق الفردية فيما بينهم، فأصبح اتقان المادة الدراسية غاية في ذاته دون اهتمام بحجم استفادة الأطفال. ومازال عرض المعلومات (التسميع) في التقويم النهائي، أهم من أسلوب التفكير، وغدت وظيفة المقررات الدراسية من وجهة نظر المدرس والتلميذ هي النجاح في الامتحان والانتقال إلى المستوى الدراسي الأعلى.

فقيمة التلميذ تتحدد وفقا لحجم المعلومات التي يحفظها ويتمكن من (استرجاعها) عند الامتحان، والنتيجة النهائية لعمليات التطوير المستمرة هي مزيد من التعقيدات؛ ومزيد من الأحمال الثقيلة تلقى على عاتق الأطفال دون معرفة منهم لأسبابها. والمحصلة النهائية لكل ما سبق هو التكريس لمفاهيم سلبية حول دور التعليم أهمها أن يصبح إتقان المقرر الدراسي، ومن ثم النجاح في (الامتحان) هو الهدف الأسمى لدى التلميذ والمدرس والأسرة، فانتشرت الدروس الخصوصية، وتهاوت قيمة التعليم، وضعف العائد النهائي منه.

إن واقع الطفل المصري واقع مترد، والطفل يعاني على عديد من الأصعدة، فنجده بحيويته يسعى إلى الانطلاق نحو المستقبل، بينما القائمون على تنشئته يجذبونه إلى الماضي ، ويمنعونه من التقدم نحو المستقبل، وهو ما يكشف بوضوح الحظر الذي يفرضه أسلوب التنشئة، ونظام التعليم على المستقبل، وعلى مفاهيمه وخاصة ضرورة التطور، وحتمية التغير، لصالح الحاضر الثابت، والمستقر، و"اللي نعرفه أحسن من اللي مانعرفوش" وهكذا تصبح التنشئة تكرارا للماضي، ويصبح الأطفال نسخا مكررة وباهتة؛ وظلالا (بلا أية ملامح إنسانية) للآخرين. وعملية التعليم في مصر ليست ببعيدة عن التردى الذى يرزح تحته الواقع الثقافى والاجتماعي المصري؛ إذ نراها  توجه جهودها على أساس من التلقين، والنقل والتكرار، والتقليد، مما أدى إلى قتل روح الابتكار لدى التلاميذ، وتحولهم إلى نوع سيئ من المواطنين، ذلك النوع الذى لا يصلح إلا لكى يؤمر فيطيع، أو توضع له الخطط فينفذ، لأنه يعيش وهو يفكر على فتات الآخرين، فكان ما كان من إعاقة عملية التقدم المنشود، والتعليم بوصفه أحد عناصر تنشئة الطفل، لا يمكن ربطه بالسوق الاقتصادي فحسب، بحيث تصبح هذه المهمة هى مهمته الوحيدة الخالدة.

لو كان الأمر كذلك فلصالح من إنتاج مثل هذه الآلات البشرية؟‍‍‍‍! فمهمة التعليم يجب أن تهدف فى المقام الأول إلى تنشئة مواطن قادر على المساهمة الفعالة فى تطوير وتقدم مجتمعة، تنشئة إنسان قادر على أن يمارس إنسانيته بكافة أبعادها، وأن يتواصل مع الآخر، قادر على أن ينتج أسباب رفاهيته؛ من خلال وعيه بذاته بوصفه عضواً فى مجتمع تتسع دوائره في النهاية لتشمل الانسانية كافة. ولكن .. كيف يمكن تنشئة مواطن فى ظل منظومة تربوية/ثقافية لا تفى بأقل احتياجات الإنسان، ومنظومة تعليمية تعتمد على التلقى السلبى، ووسائل إعلام لا تقدم عادة سوى السطحى والمكرر والمستورد، وبنية ثقافية زاخرة بعناصر القهر على اختلاف مصادره وألوانه.

ويضع هذا الطرح أهداف التعليم تحت المحك، فإذا كان أهم أهداف التعليم على الإطلاق هو دعم المجتمع بمجموعة التكنوقراط والبيروقراط التي توفر احتياجات سوق العمل (وهو ما نناهضه) فإن منظومة التعليم قد فشلت في تحقيق هذا الهدف، والنتيجة مزيد من البطالة. أما هدف التعليم في تهيئة الطفل وتأهيله للتكيف مع معطيات المجتمع، بوصف المدرسة من أهم مؤسسات التنشئة الاجتماعية؛ فإن الفشل في تحقيقه أكثر وأعمق في التأثير، يشهد على ذلك حجم العنف المنتشر في مدارسنا، وهو عنف مرضي غير موجه، عنف تمارسه الأطراف جميعها في مواجهة بعضهم البعض؛ حيث يفرز المناخ التعليمي نوع من العلاقات التي تتسم بالعنف المتبادل، وهي سمة أصبحت عامة داخل مؤسساتنا (التربوية) إذ تؤكد عديد من الدراسات والبحوث على هذا التحول الكبير الذي طرأ على المؤسسات التربوية لتصبح مسرحا للعنف المتبادل، وغدت ثقافة العنف هي الثقافة السائدة والمسيطرة داخل المجتمع، بصورة تكاد تمثل ظاهرة مرضية.

التعليقات