رباب كمال تكتب عن التسامح الانتقائي : تسامح بنكهة عنصرية

 

لطالما كنا  نُرجع التعصب ومفهوم اللاتسامح إلى شخص يدعو إلى حمل السلاح أو شخص  يقوم بتفخيخ السيارات أو يدمر ويشعل النيران في دور العبادة .. لكن لعلنا في حاجة  إلى أن  ندرك أن التعصب و الإرهاب  حمال أوجه وقد يأتينا في صورة "قشرة الحضارة"، أي قد يتبنى شخص متعلم أو حتى نخبوي  أفكارًا  متعصبة تدعو إلى عدم التسامح أو تدعو إلى التسامح الانتقائي. 
نظرية  التسامح  الانتقائي معناها أن نختار وننتقي من نتسامح معهم بحيث لا يهدد هذا التسامح عقيدة الأغلبية ولا يجرح ولا  يؤذي مشاعرها، فكثير ممن يتسامحون ويقبلون  أن يكون  عيد الميلاد المجيد  أجازة رسمية  في الدولة المصرية، يقبلون ذلك على اعتبار أن الإسلام يعترف بالمسيح وبمولده، ولكن نفس الفئة (بدون تعميم) ترفض أن يكون عيد القيامة أجازة رسمية  في الدولة المصرية لأن الإسلام وهو دين الأغلبية لا يؤمن بعيد القيامة ولا يعترف بقيام المسيح، وفي الحقيقة هذا توجه غالبية الجماهير وكذلك السلطة، فالرئيس السيسي كسر تابوهات رئاسية بتهنئة المسيحيين في عيد الميلاد المجيد في الكاتدرائية بالعباسية  في ثلاثة أعوام متتالية ( 2015-2016-2017)، لكنه لم يقدم نفس التهنئة بحضوره  قداس عيد القيامة، و في الحقيقة قد أكون ضد معاملة المسيحيين في مصر على اعتبار أنهم جالية غريبة يحتاجون فيها لزيارة موفد من الدولة، لأن حقوقهم أكبر بكثير حتى من زيارة الرئيس، إلا أنني أشير بوضوح فقط  للعوار والتناقض الموجود.
وعلى سبيل مثل آخر من أمثلة  التناقض.. احتفينا في مصر بالرجل المصري الصعيدي المسيحي عياد حنا  الذي كان يقوم بتعليم الأطفال المسلمين القرآن في طهنا الجبل في المنيا في صيف 2016 وقلنا أنه مسيحي يدعو للوحدة الوطنية وتناسينا أن الوحدة الوطنية شارع له أكثر من اتجاه ،  فغضضنا البصر حين تم القبض بمساعدة الأهالي على شباب في الاسكندرية  في 2015  بتهمة التبشير؟ وظللنا نبرئهم من التبشير ونحاول درء التهمة عنهم قائلين أنهم كانوا فتية  يوزعون التمر لا ُيبشرون بالمسيحية؟ لم نسأل أنفسنا و نحن ندافع عنهم  السؤال الأهم و هو: هل التبشير  أساسا تهمة في دولة تعترف بالمسيحية؟ إذا كانت الدعوة الإسلامية مباحة ولا ُتعد اتهاما إذن فالتبشير ليس تهمة كذلك عملا بمبدأ المساواة العقائدية. 

  
عياد حنا
قيمة التسامح تتطلب ألا يكون التسامح  انتقائيًا، وإلا فقدنا  قيمة التسامح، فبعضنا يروج للتسامح  مثلا مع المسيحيين (أكبر الأقيات المصرية عددا)  ولكننا نعتبر أن التعايش مع الشيعي أو اليهودي أو الملحد أمر لا يجوز وهذه ظاهرة ممكن أن نسميها "التسامح العنصري "
ولنا نماذج كثيرة من على أرض واقعنا المرير ...
في يونيو 2013، تم قتل شيخ شيعي وشقيقه واثنين آخرين على يد أهالي قرية بمحافظة الجيزة (مركز أبو نمرس)، والجريمة لم تهز المجتمع لأن القتيل الذي تم سحله شيعيًا.
وكانت من أكثر التعليقات المؤلمة على فيديو سحل الشيخ الشيعي هو استنكار بطعم العنصرية لا التسامح، فكان أحد التعليقات غير الحادة نسبيا  بالمقارنة مع غيرها  تقول "ألم يستطيعوا قتل الملاحدة الذين ينكرون الله بدلا من الرجل المسلم الشيعي"؟ وهذه هي المشكلة، ليس من المفترض أن ندعو لقتل المختلف أساسا!! ليس من المفترض أن نبرر جريمة القتل من بابه.
وفي  مارس 2009 شهدت مصر اعتداءات طائفية ضد مصريين بهائيين يقيمون بقرية بمركز المراغة بمحافظة سوهاج، أسفرت عن إحراق خمسة منازل يملكها بهائيون بعد أن قام المعتدون بقذفها بالحجارة واقتحامها وسرقة بعض محتوياتها وهم  يرددون هتافات دينية. وصلت  قوات الشرطة أثناء الاعتداءات إلا أنها اكتفت بتفريق المعتدين. وقد أسفرت الاعتداءات أيضا عن تهجير جميع أفراد خمس أسر بهائية من القرية، ولم تمكنهم السلطات الأمنية من العودة لمنازلهم والطامة الكبرى أن الصحفي جمال عبد الرحيم عضو لجنة الحريات بنقابة الصحفيين المصرية (فيما بعد) وعضو مجلس النقابة حاليا، اتصل بقناة المحور وقال محرضًا "من بدل دينه فاقتلوه" أي أنه كان ُيحرض ضد البهائيين واستشهد بأن هذا ليس كلامه وإنما كلام الرسول.
وحين اشتعل سباق الانتخابات في نقابة الصحفيين  في مارس 2017،  وخشى أنصار السيد جمال عبد الرحيم  من خسارته بسبب تصريحاته التي قالها منذ 8 سنوات، طمأنتهم أننا نعيش في ثقافة لا يعنيها التحريض ضد البهائيين بل قد يزيد الأمر شعبيته كونه يدافع عن الله من وجهة نظر الشعب المتدين، لأن إنكار حق الآخر في العقيدة أول طريق للجنة حسب الموروث الثقافي الديني السائد، وبالفعل نجح السيد عبد الرحيم نجاحا مبهرًا
كان موضوع التسامح الانتقائي أي انتقاء من نتسامح معهم جزء  من محاضرة ألقيتها في ورشة عمل  بالمعهد السويدي في الاسكندرية في ديسمبر 2016  بحضور زملاء من الوطن العربي من المغرب و تونس وليبيا والأردن واليمن وموريتانيا، وجميعهم من المشتغلين في قضايا المواطنة وتجديد الخطاب الديني والتنوير وحقوق المرأة في البلاد ذات الأغلبية المسلمة، وحضرها  شيوخ  من الأزهر كذلك، و سمعنا فيه كلامًا عن التسامح، لكنه نوع من أنواع التسامح المرتبط برضاء العقيدة عمن أتسامح معهم، فصنعنا للتسامح مسمار حجا، وهنا علينا أن ندرك أن: " التسامح قيمة لا نمن بها على أحد، التعايش مع العقائد المختلفة  هو أقرب المصطلحات التي ُتعزز قيمة المواطنة، وانتقاء من نتسامح معهم عقائديا هو تسامح انتقائي عنصري وُيشكل نواه وبذرة الإرهاب، لأن التسامح الانتقائي ما هو إلا تسامح بنكهة عنصرية.
التسامح والتعايش في دولة مواطنة  ليس أمرًا يسيرًا و لكنه ليس مستحيلا ويتطلب الآتي:
أولا: سلطة تنفيذية تقف بالمرصاد للاعتداءات الطائفية دون تمييز، فلا تقف موقف المشاهد في عمليات التهجير القسري أو الجرائم التحريضية  أيًا كانت عقيدة المجني عليه.
ثانيا: تشريعات واضحة ترسخ للتعددية وقبول الآخر،  حتى المادة 64 من الدستور (مادة حرية  الاعتقاد) والمادة 65 (مادة حرية الفكر) لم تمنعا من الحكم على مواطن مصري وهو  الصادق محمد حسن أبوشعيشع  كونه يعتنق المذهب الشيعي في  كفر صقر بالشرقية  في أكتوبر 2016، ولم تمنع هذه المادة  من الحكم القضائي على الطالب بكلية الآداب جامعة الإسماعلية شريف جابر في يناير 2015 بتهمة اللادينية.
ثالثا: تجديد الخطاب والفكر الديني الذي أصبح عبوة ناسفة تنفجر مرارا وتكرارًا ، ومراجعة المناهج المحرضة سواء في الأزهر أو في كتب التعليم الأساسي.
رابعا: تجديد الخطاب الثقافي والحقوقي  من منطلق الحقوق الإنسانية البحتة وليس من داخل إطار ما تُقره الشرائع وحدها من حقوق.
خامسًا: إقرار خطة لدور الإعلام والتعليم والمجتمع المدني الذي لا يجب تقييده بل دفعه في مشاريع التنمية البشرية والفنية والثقافية وحمايته من هجوم وتهديد السلفيين، أي التأسيس لحشد ثقافي لمواجهة المد الأصولي المتطرف في المجتمع، الذي يصنع نواة الإرهاب.

التعليقات