هشام فتحي يكتب: الاكتفاء بترديد عبارة "الإسلام برىء من الإرهاب" لن يفيد ‎

لا مناص عن الفعل السياسي من قبل السلطة لاقتلاع جذور ثقافة الكراهية، ما الفائدة من ترديد عبارة ”الإسلام برىء” مليون مرة في الدقيقة، بينما نجد في كل مناسبة دينية للمصريين المسيحيين يقع مئات  القتلى والجرحى نتيجة هذا الإرهاب المتأسلم؟، أنا لا أعرف حقيقة من الجهة المنفذة لجريمتي الكنيستين في طنطا والإسكندرية اليوم، لا أعلم هويتها الدينية والمذهبية بالتحديد، لكني أعلم علم اليقين أن ”ثقافة الكراهية” هي المجرمة، هي المسؤولة، هي التي قتلت شعبي وفجرت كنائس بلدي، منذ بداية سبعينات السادات السوداء وحتى اليوم.

 لست إلا متألما على حال بلدي، حال شعبي، حالك يا مصر، لكن السؤال، لماذا يتم استهداف المسيحيين دون سواهم؟، أعلم أن المجموعات الإرهابية على اختلاف مسمياتها تعادي وتكفر كافة المؤسسات الدينية للنظام المصري، مسيحية كانت أو إسلامية، إنجيلية، أو أرثوذكسية، كاثوليكية، أزهرية، سلفية، صوفية، فلماذا يتم الإيقاع بالمسيحيين وحدهم دون سواهم من أعداء الإرهاب المتأسلم؟ سؤال ربما تعرف إجابته المخابرات العامة والمخابرات العسكرية وجهاز الأمن الوطني للنظام في مصر، أقول ربما، لكن أعود وأسأل، إذا كانت هذه الجهات الأمنية بجلالة قدرها لم تستطع تحديد هوية منفذي تفجير كنيسة القديسين التي تم تدميرها وقتل مصلييها بدم بارد أواخر عام 2010، فهل يمكن أن تتوصل جهاتنا الأمنية لهوية مجرمي اليوم في طنطا والإسكندرية وتتم محاكمتهم محاكمة احترافية؟

 لقد نفض الجميع أيديهم بالأمس من جريمة قديسين الإسكندرية رئيسا وكنيسة وحكومة، ترى لماذا؟ لماذا لم يتم القبض على المجرمين حتى الآن؟ يلعب الفأر بعبي كما يقولون، فهل هناك تورط لأجهزة رسمية ما في الجريمة يراد التغطية عليها وكفى الله المؤمنين القتال؟، لا أيها السادة، ما هكذا تدار البلاد ويحفظ أمن العباد، إن الخطب جلل، وليرتفع لمرتبة الخيانة، خيانة الوطن، وخيانة الشعب، وخيانة الإنسان بلامواربة، سترددون عبارتكم المحفوظة ”الإسلام برىء”، حسنا، اثبتوا لنا ذلك، من اتهم الإسلام بأنه السبب الرئيس في الإرهاب نصوصا وسياسات سوى حلفاؤكم في الغرب؟ ماذا فعلتم لدحض التهمة؟ الإسلام برىء، سمعناها مليار مرة، كيف؟ كيف يمكنكم تبرئة الإسلام من اتهام الغرب والشرق له بالإرهاب؟ ماهي خطتكم لرفع الحرج عن التصاق الإسلام بدماء الضحايا الأبرياء؟ ليس في مصر وحدها، بل في العالم كله؟ لا شىء، أخبروني بربكم، كيف ترجمتم طلب رئيس الجمهورية للأزهر بتجديد الخطاب الإسلامي؟ حتى خال للكثيرين أن الرجل يطلب الثورة على النصوص البالية، والصحائف الصفراء، وتوديع ثقافة الكراهية إلى غير رجعة؟ ماذا فعلتم؟ لا شيء.

 مازالت كتب هدم الكنائس وتكفير المخالف مسلما كان أو مسيحيا أو ملحدا تدرس في أزهركم ولا خجل، مازالت فضائيات بني سلف تنشب أظافرها الدموية في لحومنا يوميا من خلال فضائياتهم المسموح ببثها من حكومة التجديد لن نقول حكومة الثورة، يا ثورة ما تمت، مازال حزب النور رابضا في موقعه السياسي كحزب سلفي، يقوم أساسا على فكرة دولة الخلافة التي لم يتعد زمنها أربعين عاما في صدر الإسلام ثم سقطت، جاث المسلمون طيلة سنيها القصيرة خلال ديار بعضهم بعضا قتلا وتنكيلا وتكفيرا، ومن العجيب أن رئيس الدولة يصف حزب التكفير هذا بأنه حزب سوف يثري الحياة السياسية، أحلى إثراء يا رجل، حتى مذيعة الراديو المسلمة لم تستطع أن تجد تعبيرا للفجيعة سوى العبارة الوضيعة ”الإخوة الأقباط”، هم ونحن، يا للعيب والجهل وفقر المعرفة وخواء الروح.

 لقد ضللنا جميعنا عن الوطن، ما عدنا نستحقه، نعال مشايخ جزيرة العرب فوق رؤوسنا، منذ احتلال الشعراوي لمجالنا السماوي، ومشايخ الكراهية تترى وتتابع، قل لي بربك، ما الذي استفدناه من هجمة الصحراء سوى القبح والكراهية وتوظيف الأموال باسم الشريعة لشراء الأسلحة من الغرب لندمر بها بعضنا بعضا؟، لقد انسحقنا تحت معول تحالف الإسلام / أمريكا، ما الذي جنيناه؟ ضاعت الثروات، ودمرت البلاد، وعم الفقر، وساد القبح، وفشت الكراهية بين ابناء الشعب الواحد، وتوارى الفن والإبداع خجلا وخوفا من سيف السياف، واحتشمت الثقافة وانزوت بعيدا رعبا من تهمة   ازدراء الإسلام، أقصد ازدراء الأديان، أكل هذا مقصود؟ أتصور ذلك، نعم كل ما سبق مقصود.

 تدمير القوة الناعمة المصرية مقصود، تجريف العقل المصري مدروس ومخطط له سعوديا وأمريكيا، فمصر إن بعثت ثانية من قبرها بنفخة الروح الأصيل، نفخة كيميت القديمة، لن يطال رأسها طائل، ولن يبلغ هامتها بالغ، ولذلك دفنوها ولم يأخذوا العزاء فيها، لكن ما الحل؟ أنظل على قبر مصر قائمين؟ مولولين؟ نلطم الخدود مكتفين؟ لا، فلكل ميت بعث، هكذا نؤمن، وبعث مصر لن يتم إلا ”بالفعل السياسي”، سأجد كثيرين ينتصبون مفندين لهذا، إذ لو كان في نية النظام المصري فعل شيء لفعل، لو كان في نيته إيقاظ مصر لأيقظ، لو كانت لديه الإرادة السياسية للثورة الشاملة لأرادها من زمن بعيد، حسنا، وهل في وسع الباحث عن الثقافة إلا أن يكتب الوصفة الطبية؟ ليست مهمتنا إلا التنوير وتحريك العقول والكشف عن الروح المدفون تحت قلب سلفي أسود، أنا أطلب من السيد رئيس الجمهورية طلبا قد يبدو صعبا، بل هو طلب عسر بالفعل، لكن ما دمنا نروم العلاج فلاضير أن يكون الدواء مرا.

 أطلب من فخامته اتخاذ قرار جمهوري على وجه السرعة بإعادة لجنة عثمان بن عفان للعمل من جديد، تشكيل عصري للسادة الأعضاء، لتتكون من نخب مستنيرة حقيقية مصرية ( كيميتية )، هدفها استكمال لجنة عثمان من جديد في غربلة نصوص الخطاب الإسلامي - لن أقول النص المقدس - لفرز العصري الإنساني من القبلي الصحراوي، والإبقاء على مايقيم دولة عصرية تدور حول المواطنة والحرية والمساواة والكرامة الإنسانية، فإن اعترض معترض، وقال من أنتم لتفعلوا هذا الفعل؟ أتراكم يوحى إليكم؟ نرد واثقين، إن عثمانا لم يكن يوحى إليه أيضا، حرق المصاحف التي يتعبد بها المسلمون ولم يبق إلا واحدا، اسمه المصحف العثماني  الذي نعرفه اليوم، نحن لا نريد النبش في النص المقدس كما فعل عثمان، بل نريد غربلة الخطاب المبني على النص، نبقى الصالح، ونهمل الطالح منه، ليكون لدينا خطابا إنسانيا واحدا رسميا، خطابا دينيا رسميا، يعيد لمصر جمال وجهها، يوقظها من سباتها، يخرجها من قبرها، فمشكلتنا ثقافية تعليمية لو تعلمون، أحيوا لجنة عثمان من جديد، فلم يكن الرجل يوحى إليه، بل رام مصلحة الدولة وتوحيد الأمة، فلسنا أقل غيرة منه على مصرنا التي سادت العالم منذ فجر الإنسانية ثقافة وفلسفة وتقنية، بفجر الضمير انبثق نور مصر، فهلموا نكسر الحجر من على قبرها، لو كنتم بالحقيقة مصريين .

التعليقات