رباب كمال تكتب: ازدراء الوطن

 

كانت ذراع الإرهاب الطولى استحلت دماء الشعب قبل مسؤوليه، مستندة لعقيدة قتالية ملخصها أن كل من عليها فان في سبيل خلافتهم الإسلامية، فلجأوا لتفسيرات بعض الأئمة الذين أجازوا قتل المدنيين إذا تترس بهم- أي احتمى بهم- " الأعداء "، و هي القاعدة الفقهية التي تلجأ إليها كثير من جماعات الإسلام الجهادي لتبرير جرائمها، لذا لن يأمن إرهابهم أحدٌ.

في ذات الوقت، لا مجال لإشاحة الوجه عن أي أخطاء تعيب سياسة الدولة في التعامل مع الإرهاب وخطر تيارات الإسلام السياسي بل و مؤسسة الأزهر. لا نُملي شروطًا ونحن نؤيدها  الدولة  في هذا الظرف التاريخي، وهي تواجه تنظيمات قتالية إسلامية شرسة، لكن سنصفع وجه سياساتها الخاطئة.
هي ذات المعضلة التي حاول أن يفك طلاسمها الراحل فرج فودة في أبريل 1988 في مقدمه كتابه "النذير" حين قال إنه من حقنا أن نختلف مع مؤسسة الدولة طالما شرعنا في إصلاح المسار لا هدمه

ستزداد حدة الأحداث الإرهابية وستتخذ منحنيات شديدة الخطورة خاصة في سيناء، ستضرب التنظيمات الاسلامية بدون هوادة ولا رحمة وهي تنهك قوى الجيش المصري وفي المقابل ستصعد الدولة قبضتها الأمنية وهو أمر مفروغ منه.
الحل الأمني حل أساسي وليس ثانويًا كما يردد البعض، فلن نواجه أنصار بيت المقدس وتنظيم الدولة الإسلامية بقراءات عن فلسفة عصر التنوير. هذا ليس تهميشًا للحلول الفكرية، إلا أن مردودها ليس فوريًا والوقت أصبح يداهمنا.
كما أن مردود الحلول الأيدلوجية للتطرف، رهن تبني الدولة سياسة جديدة لا تنحصر في نشر وسطية الإسلام، أو المكوث إلى جانب الأزهر المتباطئ حتى يتفضل علينا مشكورًا في تجديد أو ترقيع الخطاب الديني، فالأزهر مشغول بمحاربة أخطار الفكر البهائي وخطر الملحدين دون أن يدرك أن هؤلاء لا يحاربون الجيش في سيناء اليوم، ولا هم من فخخوا السيارة التي اغتالت النائب العام.
الدولة لم تكن موفقة في الحلول الأيدلوجية للإرهاب، بل كانت سببا في تحضير "عفريت الأصولية"، وحين واجهت إرهاب الجهاديين في التسعينات، لجأت للأزهر لتجديد الخطاب الديني كذلك، واصطاد الأزهر في الماء العكر وربط بين تأييده للدولة في مواجهة الجهاديين، وبين منح الدولة إياه سلطات لاحق بها الليبراليين والعلمانيين وأنصار دعاة الدولة المدنية. وطالب شيخ الأزهر الأسبق جاد الحق استيضاحا بشأن سلطات الأزهر في الرقابة على الأعمال الأدبية والمرئية والمسموعة من مجلس الدولة، وكان له ما أراد على يد المستشار طارق البشري حينها.
هل يعقل أنه حتى يومنا هذا، يواجه مجددو الخطاب الديني والمفكرين شبح السجون باتهامات ازدراء الأديان والحسبة؟
ندعم الوطن  ضد الإرهاب، فمن يدافعون عن مفهوم الدولة المدنية قد لا يخشون رصاص الإرهاب ولكنهم ليسوا على استعداد لمواجهة شيخ أو محام متحزلق قرر أن يقاضيهم بتهمة ازدراء الأديان والحسبة، خاصة وأن تاريخنا غير مشرف في التنكيل والقذف بمناهضي الإسلاميين إلى السجون.
فمن يدافعون عن مصر قد لا يخشون مواجهة الإرهاب الجهادي والفكري وصدورهم عارية، لكن بالتأكيد لن يلقوا بأنفسهم إلى تهلكة سجون الدولة التي يدافعون عنها في مواجهة الأصوليين، بينما تتبرأ هي منهم وترفض تعديل القوانين التي تلاحقهم.
حان الوقت أن تدرك الدولة أن مواءمتها مع التيارات الدينية ومحاولة "عدم استفزاز " المؤسسة الدينية الرسمية مجرد مهاترات لا تواكب الحدث الجلل الذي تتعرض له مصر.
لجأت الدولة للإسلاميين لمحاربة معارضيها من قبل، لماذا لا تلجأ الدولة لليبراليين الذين يدافعون عنها وترفع من على أعناقهم سيف قوانين محاكم التفتيش، لتواجه بهم تيارات الإسلام الجهادي الأصولي؟

هل تصدت المادة 98 فقرة و ( المعروفة اعلاميا بازدراء الأديان )  للجرائم الطائفية ضد الأقليات الدينية بشكل عام والأقباط بشكل خاص باعتبارهم أكبر كتلة للأقلية الدينية؟ هل توقفت الاعتداءات على الكنائس واستهداف الأقباط  والتهجير القسري؟ ألم تكن الجلسات العرفية هي سبيل الحكومة لحل مثل هذه الأحداث لتتحول الدولة إلى قبيلة كبيرة؟ ألن تغض الحكومة الطرف عن كثير من الأحداث الطائفية ضد الأقباط؟

سيلجأ المؤيدون لبقاء قانون ازدراء الأديان إلى حجة أن إلغاء القانون قد يتسبب في الاعتداء على المقدسات والتحريض الطائفي، وفي حقيقة الأمر فإننا نتناسى أن المادة 160 من قانون العقوبات قامت بصياغة قانونية ضد المحرضين في حالة تخريب أو تدنيس دور العبادة أو انتهاك حرمة القبور أو الاعتداء على شعائر دينية لغرض ارهابي. ولو أن العقوبة في رأيي ليست كافية، إلا أنه كل ما ينقص المشرع في هذه المادة هو تغليظ العقوبة.

قضايا ازدراء الأديان كانت في مجملها تلاحق المبدعين من الشعراء والأدباء و الصحفيين في الماضي، لكن الجديد أنها ستلاحق كذلك دعاة تجديد الخطاب الدينيّ أو على الأقل هؤلاء الذين يتصدون للتطرف وألغام التراث.

هل ُيعقل مثلا أن أقف أمام المحكمة في قضية ازدراء أديان إن أنكرت حديث إخراج المسيحيين من جزيرة العرب كما ورد في صحيح مسلم، لأنه لا يمكن إخراج شركاء وطن لمجرد اختلاف عقيدتهم ؟ هل أعتبر مجرمة إن أنكرت حديث يصف أهل الذمة بنصف عقل كما ورد في سنن النسائي؟ ألا تعتبر هذه الأحاديث ازدراء لغير المسلمين؟ ألا تعتبر ازدراء للوطن؟
كيف تسمح الدولة التي تحارب الإرهاب والتطرف بأن ُتبقي على قانون يستخدمه المتطرفون في سجن المفكرين والُكتاب والمدافعين عن مدنية الدولة؟
أليس من ازدراء العقول و ازدراء الوطن  أن تطالب الدولة المفكرين بمناهضة التطرف وتطالب المجددين بتطوير الخطاب الديني وتلقي بهم إلى السجن في ذات الوقت بموجب قوانين رجعية دون أدني محاولة أو نيه لتعديلها أو إلغائها؟

فذكر إن نفعت الذكرى ، فالخطر على مصر ليس ازدراء الأديان و إنما إزدراء الأوطان

المقتطفات السابقة من كتاب من وحي العلمانية لرباب كمال  الصادر العام الماضي  في يناير 2016 عن دار نشر روزنامة

 

التعليقات