عمر شهريار يكتب: جسد برنس الراقص الذي عرى عقولنا

موقف عوام الناس في قضايا مثل قضية منى برنس أو غيرها، وقضايا الحريات كلها، ومعاداتهم المعلنة للحرية باسم اﻷخلاق أو الفضيلة أو الدين أو العيب والعادات والتقاليد، متوقع جدا، رغم أنهم جميعا يفعلون ما فعلته منى وغيرها، فتقريبا لا توجد امرأة مصرية لم ترقص في فرح ابنها أو ابنتها على الأقل، ورغم ذلك ربما يقف الجميع، رجالا ونساء، ضد برنس ورقصها. تقريبا أصبح معظم أبناء المناطق الشعبية يدخنون الحشيش والبانجو على النواصي نهارا جهارا، كما أن سب الأديان كلها أصبح عاديا في الشارع المصري وبشكل يوم. المصريون أصبحوا يقولون ألفاظا المفترض أنها خادشة للحياء، تتفنن في ذكر أعضاء النساء الجنسية، كنوع من الوصم وإيلام الشخص الذي يتلقى السباب، حتى إن العضو التناسلي للمرأة أصبح معتادا بين الأصدقاء في مداعباتهم: "ازيك يا ك..أمك". جملة يقولها الصديق لصديقه بعادية شديدة، فيرد عليها الآخر بمثلها أو بما هو أقسى منها، وفي الوقت نفسه ينتفضون جميعا للهجوم على كلمة في رواية أو مشهد في فيلم، أو للمطالبة بتكفير مفكر أو باحث يسعى لإعمال عقله في مناقشة الخطاب الديني، وليس سب الأديان.
كل هذه التناقضات تبدو، للأسف، متوقعة من عموم الناس. ما يثير الغثيان حقا، هو موقف بعض المثقفين، الذين يضمرون عداء حقيقيا للحريات، ويطفح هذا العداء للسطح في مثل هذه القضايا، ويتحولون جميعا إلى مشايخ ووعاظ، رغم طنطنتهم اليومية بشعارات: الحرية، وحقوق المرأة، وحقوق الإنسان، وحق معارضة النظام، وحرية الإبداع. مع كل قضية تثار في مجتمعنا نجدهم يحاولون أن يبرروا انحيازهم للقمع الاجتماعي والفكري. قد تجد الواحد منهم يزأر بشعارات النضال ضد القمع السياسي على مر العصور، لكنه مع رقصة عابرة لفنانة وأستاذة أكاديمية نجده يبرر قمعها، مع رواية هنا أو رأي عابر هناك ينكشف زيف هذا الصنف من البشر.
المثقف والأكاديمي المصري يعلن مثلا، بكثير من التفاخر، أنه ضد قهر الراحل الكبير نصر حامد أبوزيد، ويناصر حريته في البحث، لكنه يرى في رقص برنس مروقا غير مقبول، دون أن يدرك أن نصر، بالأساس، لم يكن يناقش الخطاب الديني إلا لأن هذا الخطاب أصبح فاعلا في القمع اليومي الذي يقع علينا، بل هو جذره الحقيقي. إنه يدافع عن حرية ما يراه عميقا، لكنه ينحاز لقهر الممارسات اليومية العادية. يدافع، مثلا، عن حق محمد أركون في البحث، ويقهر حق جسد منى برنس في الرقص. هكذا ينكشف عقل المثقف المصري، المسكون ببنى قمعية لا يستطيع الفكاك منها. إن جسد برنس الراقص عرى عقول النخبة المصرية وكشفها على حقيقتها، عرى ازدواجيتها وانفصامها، عرى التناقض بين شعاراتها وممارساتها.
كثير من المثقفين يشربون خمور أو حشيش، ولهم علاقات جنسية خارج مؤسسة الزواج –وهذا ليس طعنا أخلاقيا فيهم، فثمة علاقة وطيدة بين الإبداع والتمرد على كل ما هو مؤسسي، وثمة دراسات عديدة تتحدث عن علاقة الإبداع بغياب الوعي مثلا، فهل يقبل هذا المثقف الفصامي استخدام صوره وهو يمسك زجاجة "ستلا" في أحد البارات، أو وهو يلف سيجارة حشيش؟ هل يقبل استخدام تسجيلات حديثه وهو يراود أديبة شابة عن نفسها في مقابل أن يصعد بها سلم، لامؤاخذة، المجد، أو تسجيل كل سب الدين الذي يقوله على المقهى مع أصدقائه، أو في البار وهو غائب عن الوعي، أو وهو يتباهى بفحولته عندما ضاجع فلانة أو علانة، وأحيانا يصف جسدها وممارساتها الجنسية؟ هل يقبل أن نأخد سكرين من تدويناته على الفيس وبها أحيانا شتائم قبيحة وعزف "كسميات" منفرد؟ هل يقبل أن نأخد هذه الأشياء اللطيفة ونفصله مثلا من عمله أو نقابته أو جامعته أو اتحاد الكتاب، مستخدمين شعارات الأخلاق والقدوة وسمعة مصر وكل هذا الكلام العظيم؟
أكاد أجزم أن جذر المشكلة هو أن منى برنس امرأة. هذا ما يستفز جينات الأبوية القارة في وعي كل مثقف مصري، ولا تريد أن تفارقه، أو أنه لا يريد التخلي عنها.  لدينا العديد من الآفات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعلمية التي يجب أن نعالجها، بدلا من الانشغال بجسد امرأة ترقص ولم تؤذي أحدا. هاجموا الغلاء الذي معظم المصريين جميعا تحت خط الفقر، عالجوا تعيين الأساتذة لأبنائهم وبناتهم في الجامعة رغم أن هناك من هو أجدر منهم، هاجموا إجبار الأساتذة للطلاب على شراء الكتب عنوة، حاربوا "الشيت" الذي في نهاية كل كتاب، ابحثوا عن تطوير المناهج، ولا تنشغلوا بأجساد النساء، لا تضاجعوهن سرا وتدعون الطهر والأخلاق علنا.
إن المثقف والسياسي الذي يتهكم على تهم مثل "تكدير السلم العام" أو "تعكير الأمن العام" أو غيرها من التهم الفضفاضة، ويناضل ضد استخدامها، وفي الوقت نفسه يستخدم شعارات مماثلة مثل "الأخلاق الأكاديمية" أو "العيب" في قمع امرأة رقصت في بيتها، لا يعول عليه، ولا يمكن أن آخذه على محمل الجد. كفانا نفاقا وازدواجية، فحرية الفرد أساس كل الحريات، ولا يمكن أن تتحرر أمة سياسيا وتصل للديمقراطية دون حريات اجتماعية.

التعليقات