رباب كمال تكتب: لستُ من القوارير.. فلا ترفقوا بحالي

 

لربما تشير عقارب الساعة إلى سبعة عشرة عاما بعد الألفية الثالثة، إلا أننا في مصر لازالت نظرتنا المجتمعية السائدة  للمرأة  تشير بقوة إلى التوقيت الرسمي لشبه الجزيرة العربية، و هو توقيت ليس كمثله توقيت، كونه عالقا في دروب الماضي دون رغبة في حداثة حقيقية لا حداثة قشرية. 

في كتابي الأخير دولة الإمام:  متى تخلع مصر عمامة الفقية؟ تسائلت عن دوافع  الدكتورة سعاد صالح أستاذة الفقة المقارن بجامعة الأزهر حين تحدثت عن سبي النساء في الإسلام؟ وما علاقة هذا الحديث بواقع المرأة الحالي في بلادنا !!

حاولت أن أستفهم في الكتاب دون جدوى عن طلة الأستاذة الجامعية الأزهرية علينا من خلال قناة الحياة المصرية (وهي قناة غير دينية) في عام 2014 لتزف إلينا البشرى بفتوى أحقية القائد المسلم الاستمتاع بالأسيرات في الحرب كما يستمتع بزوجاته وكيف أسعدتنا الدكتورة بخبر عتق رقبة الأسيرة إن أنجبت للقائد ولد حسب القاعدة الفقهية "أم ولد" وبالتأكيد أن الدكتورة سعاد  لم تكن تهذي،  بل كانت تتحفنا بما هو موجود في تراثنا العقائدي، وهو التراث الذي نرفض أن نمسه بالتفكير وإعمال العقل والعياذ بالله.

وهنا لنا وقفة، ماذا يعنيني أنا كامرأة ومواطنة تعيش في الألفية الثالثة بأحقية القائد المسلم في  الاستمتاع بالأسيرات في الغزوات؟

إن كنا نعتقد أن مفهوم السبي واتخاذ المرأة غنيمة قد ولى زمانه في زمن الغزوات الأولى، فنحن مخطئون.
إن دققنا النظر في واقعنا، فسنجد ثقافة السبي موجودة  وحية ترزق، إنها  ثقافة  تتربص بالنساء والفتيات وتحلل وتبرر التحرش بهن أو اغتصابهن وكأن المرأة غنيمة من غنائم المشركين اللاتي يحق الاستمتاع بهن!
  فلازلنا نسأل بعد أي جريمة تحرش أو اغتصاب السؤال الذي يدخلنا جمعاء إلى موسوعة الحماقة العالمية وهو:
"ماذا كانت ترتدي الضحية؟ كيف كانت تسير؟ وهل كانت تضحك؟"
فلازالت تساؤلاتنا تقع في إطار معاملة المرأة معاملة  بهيمة الأنعام، وهي تساؤلات تحمل في طياتها محاولة لتبرير فعل الاغتصاب أو التحرش، كون الـُمعتدى عليها ليست من المؤمنات القانتات العفيفات المحتجبات، وهي فلسفة لا تختلف كثيرا عن السبي والاستمتاع بنساء المشركين!

اعتدنا فتاوى سلفية ورجعية تؤسس لهذه الثقافة،  ثقافة تُسقط حق المرأة وتستبيح جسدها إن تراءى للـُمعتدي استحلالها، فانتشرت بيننا فتاوى المرأة مثل الحلوى التي تحوم  حولها الذباب ولا ذنب للذباب إن كانت الحلوى مكشوفة، أو المرأة مثل قطعة لحم يحوم حولها الكلاب، فلا نلوم الكلاب التي تنهشها. 

  وكانت الطامة الكبرى حين خرج علينا الشيخ على جمعة مفتي الديار المصرية السابق  في برنامج الله أعلم في 2015 من خلال قناةcbc  المصرية الفضائية (قناة غير دينية) وأفتى من خلالها قائلا إنه "يحق للرجل النظر إلى المرأة المتبرجة فهي التي أسقطت حقها، حين خلعت الحجاب".! و بالرغم أن الفتوى هي حق النظر ليس مد اليد، إلا أنها فتوى تقع في دائرة الاستباحة  بمرجعية عقائدية، ونشدد على خطورة هذه الكلمات التي وردت في الفتوى وهي    " المرأة المتبرجة (أي غير المحجبة) أسقطت حقها !!
نعم، لا حقوق للمرأة الأسيرة في غزوات التحرش والاغتصاب .

كل هذه  المهاترات السابقة التي نخوضها لإبداء البديهيات العقلانية، تم نسفها حالما انتشر خبر اغتصاب طفلة رضيعة بالمنصورة  فيما ُعرف إعلاميًا بقضية اغتصاب طفلة الحفاضات. سكتت الأصوات التي دوما تتساءل عما ترتديه الضحية لأنها في هذه الحالة كانت ترتدي الحفاضة.

انتفض المجتمع لأن ما فعله الجاني انتهاك للطفولة، بالرغم أن نفس الجمهور لم ينتفض حين خرج علينا الشيخ عبد الله رشدي الأزهري في ابريل 2015 على قناة القاهرة والناس (قناة غير دينية) ليبشرنا بفتوى أخرى هي نكاح الطفلة الصغيرة إن كانت سمينة تحتمل الوطء، فما قاله تحريض صريح يؤسس للاعتداء على الأطفال (جريمة البيدوفيليا)، والعجيب أن القانون لم يحاسب الشيخ عبد الله رشدي على ما قاله لكنه حبس من كان يناظره في اللقاء، وهو إسلام البحيري الذي اعترض على هذه الفتوى.

ثغرات في قانون العقوبات المصري

تعليقًا على جريمة رضيعة المنصورة، أشار المستشار محمد سمير أحمد إلى بعض الثغرات القانونية في قانون العقوبات المصري ونورد منها ما قاله  على  المادة 267 التي تنص على أن الركن المادي لجريمة الاغتصاب هو إيلاج  العضو الذكري في فرج الأنثى سواء كان كاملاً أو جزئياً، وهو ما استحال حدوثة مع طفلة تبلغ من العمر 18 شهرًا،  فالمتهم استخدم إصبعه وفقاً للتحقيقات وتقرير قسم جرائم النفس بمصلحة الطب الشرعي وقال المستشار أن  إيلاج الأصابع أو أي أداة في مهبل الأنثى لا ُتعتبر جريمة اغتصاب وفقا للقانون المصري.

كما أشار إلى ثغرة أخرى وهي أن سن المجني عليها ليس ضمن الظروف المشددة للجريمة،  فلا تشديد للعقوبة سواء كانت المجني عليها بالغه أم قاصر أم حتى رضيعه.

كما أشار المستشار لثغرة أخرى قائلا أن "كل ما هو ليس إيلاجًا طبيعيا للعضو الذكري يُعد من قبيل هتك العرض وليس الاغتصاب"، و من هنا تُعتبر الجريمة هتك عرض وفقًا للمادة 268 من الدستور وعقوبتها تتراوح ما بين 3-7 سنوات وتُشدد العقوبة في جرائم هتك العرض لتصل إلى 10 سنوات إذا كان سن الضحية دون السادسة عشر، وهي سلطة قد يجوز للقاضي أن يُعملها أو لا يُعملها !

بالرغم مما لفت انتباهنا إليه المستشار محمد سمير أحمد أعلاه، إلا أن ما يجب أن يشغل تفكيرنا بالإضافة لما سبق،  هو نص  المادة رقم 17 من قانون العقوبات المصري والتي تنص على  جواز استخدام القضاة للرأفة إذا اقتضت أحوال الجريمة رأفة القضاة 

من كان منكم بلا خطيئة

عقّب القاضي في محاكمة المتهم  يوم 4 ابريل 2017 قائلا "من كان منكم بلا خطئية فليرمها بحجر" وذلك بعد اعتراف المتهم بالجريمة التي ارتكبها بعد أدائه لصلاة الجمعة يوم 24مارس 2017.
غريب وعجيب أمر القضاء... يحتكم للشريعة حين يحكم على النساء في قوانين الأحوال الشخصية والميراث ولكنه يستشهد بآيات الغفران في الإنجيل وهو يخاطب مغتصب طفلة!
ونحن هنا لا نستبق الأحداث ولا نستبق  ضمير المحكمة، بل نلتزم العقلانية، وننتظر الحكم حيث تم تأجيل القضية ليوم 2 مايو 2017 

من سيرد على هذه الأطروحة السابقة  قائلا هناك آيات توبة في القرآن كذلك، سنقول له  توبة المتهم لله  ومصيره في الآخرة لا يعنينا سواء استشهد القاضي بالقرآن أو الإنجيل لأن ما يعنينا الآتي:
- يعنينا حق الطفلة وأسرتها ورعايتها صحيا ونفسيا وإعادة تأهيلها  بعد ما ألمّ بها
-  يعنينا تقويم ثقافة التعاطف مع الجاني على حساب الضحية (بشكل عام)
- يعنينا ُحكم رادع حتى لا  ُتعتبر الأحكام المخففة محرضًا ضمنيا على مثل هذه الجرائم
- يعنينا ألا ُيكرر الجاني فعلته.  
- يعنينا تحرك القانون ضد المحرضين على نكاح الصغيرات على اعتبار أنها تحريض صريح  على ارتكاب  جريمة البيدوفليا ( ممارسة الجنس مع الأطفال )

لسنا قوارير

حتى نلتزم بالموضوعية، فليست كل الفتاوى تحريضية، بل ظهرت كثير من الأصوات المعتدلة التي استهجنت ما يحدث في مصر من جرائم تحرش جماعي أو جرائم اغتصاب  ولجأ بعضها  كذلك إلى الحديث النبوي "رفقا بالقوارير".

ولربما هنا تكمن الإشكالية في الثقافة المجتمعية، لأننا في هذا الزمان لسنا قوارير نركب الجمال ويُخشى علينا من السقوط ، بل نحن مواطنات كاملات الأهلية، نطالب بعدم التعاطف مع من ينتهك ويستبيح أجسادنا، نريد حقوقنا وليس الرأفة بحالنا. 

 

التعليقات