محمد ربيع يكتب: إعلام البسوس في تهييج النفوس

 

تروي كتب التاريخ أن البسوس بنت منقذ كانت تزور ابن أختها الجليلة وهو جساس بن مرة، ومعها ناقة. عندما كانت الناقة ترعى انطلقت إلى بئر قبيلة تغلب لتشرب الماء من هناك، فعندما علم كليب بأن ناقة من قبيلة بكر ترعى وتشرب دون إذنه قتل الناقة.
وعندما علمت البسوس بمقتل ناقتها غضبت وطلبت من جساس أن يثأر لمقتل الناقة فهي فرصة لإرجاع مكانة قبيلة بكر وإنهاء استبداد حكم كليب وظلمه، وصاحت «وا ذلاه! وا جاراه!»واستمرت الحرب بين القبيلتين أبناء العمومة إلى ما يقرب الأربعين عاما. وما أشبه الليلة بالبارحة.

تروي وسائل إعلام اليوم أن الشيخة موزة والدة أمير قطر كانت في زيارة لدولة السودان، تخللت الزيارة  جولة سياحية للأهرامات البجراوية من آثار الحضارة الكوشية، وما أن انطلقت الأخبار وتداولتها الوسائل الإعلامية إلا وقامت الدنيا ولم تقعد، وثارت النعرات الشعبوية وحمية الجاهلية الأولى، وكان أكبر قادتها من هم من المفترض أن يكونوا قادة رأي ملتزمون بالمسئولية الاجتماعية والأخلاقيات المهنية قبل أن يكون لهم عيون تبصر أو عقول تفهم.

 

"وسائل الإعلام هي الكيان الأقوى على وجه الأرض.. لديهم القدرة على جعل المذنب بريء وجعل الأبرياء مذنبين.. وهذه هي السلطة لأنها تتحكم في عقول الجماهير". - مالكوم إكس

 

إذا أردنا التأريخ لهذا الحشد في بث الكراهية وتأجيج الفتن في نفوس الجماهير فمن الممكن أن نبدأها من قبل الميلاد حتى وقتنا هذا، ولكن بلغ هذا السعار الإعلامي أشده بعد ثورة 25  يناير، وللأسف أصبح كل شيء قبيح مقترن بهذه الثورة، وكأنها هي السبب، تلك الثورة التي تشبه معبد فرعوني يتبول على جدرانه الأشقياء ويختبئ فيه طالبي المتعة.

‘"في الثورة هناك نوعان من الناس، من يقومون بالثورة ومن يستفيدون منها"-نابليون بونابرت

تكدست الصحف والقنوات الفضائية بقطيع من غير المتخصصين في المجال الإعلامي، من لاعبي كرة  لم يكملوا تعليمهم فتعلموا فينا، وضف عليهم الممثلين والممثلات والراقصات والمغنيات، وحتى من رجال الدين الذين خلعوا ثوب الوقار ليقبضوا بالدولار او اتخذوا الدين سلعة إعلامية لتحقيق مكاسب وهمية، قطيع لديه بعض الصفات  التي تميزه عن غيره، إما أن يكون سليط اللسان أو لعان أو أراجوز أو حتى بغبغان بنصف لسان، المهم القيام بمهمته في التدليس وتزييف الوقائع والتاريخ وصناعة جمهور مغيب وسهل التوجيه في الاتجاه المطلوب.

‘‘لقد تعودنا على استهلاك هذا الإعلام والتاريخ المزيف فلم نعد نعرف القضايا الجوهرية من القضايا التافهة لقد أدمنا هذا النوع من المعرفة الكاذبة أو الوعي الكاذب كما يدمن الشباب البانجو والهيروين‘‘. - نوال السعداوي

 

مثال حي (في نفوسنا_ميت في نفوسهم) ومهم جدا من ذكره بمكان وهي الصورة الذهنية للأفريقي والذي اهتم بالحديث عنه في كل مكان. ترى السخرية من كل من هو أسود، فأما هو أضحوكة أو همجي أو خارق القدرات، صورة ترسخت جيلا بعد جيل حتى محيت من الذاكرة الصورة الحقيقية وبقيت لغة الاستعلاء والنظرة الدونية للأفريقي وما زال العرض مستمر.

إذا سألت أي شخص عن إفريقيا فستقفز في المقدمة  بطولة كأس الأمم الأفريقية بلا منازع ولا غير، ومحرك بحث جوجل خير دليل علي ذلك، حتى بين الفئة المتعلمة لا يستطيع أحد أن يعطيك معلومات ولو قليلة عن إفريقيا أو حتى عدد دولها.

أما السوداني فحدث ولا حرج: ابتسامة بلهاء يتبعها صورة البواب أو الشخص الكسول وصورة كاريكاتيرية عن  كلامه وطريقة تفكيره رسختها لنا الأعمال الدرامية والإعلام كأنها دستور.

 

لم تشفع العلاقات الأصيلة بين أبناء وادي النيل والتي ترقى إلى صلة الدم، والضاربة في عمق التاريخ من تصدير لغة الاستعلاء القح، والسخرية الفجة، والتخوين عبر وسائل الإعلام في كل مرة تحدث فيها خلافات سياسية بين البلدين، اقربها مثالاً الزيارة القطرية للسودان والتي كانت قاعدة قوية للانطلاق.

 

أما عن صورة الصومالي فيتخذها الإعلام المصري أيقونة المصير السيء للصومال، صورة محفورة في ذاكرة الإعلام المصري كأخر صورة سيئة رآها الضرير قبل أن يصاب بالعمى، وكأن تاريخ الصومال كله قد توقف عند لحظات الفشل، فلا يذكر اسم الصومال إلا مقترن بصفة ذميمة علي لسان صحفي فاشل أو معد برامج بليد متساهل تكاسل عن قراءة تاريخ الصومال الكبير من ماضيه إلى حاضره المتعافى.

كل هذه الأصنام التي صنعها الإعلام من أحجار الجهل والتنميط والعنصرية البلهاء لا يهدمها إلا معول الوعي والمعرفة والبحث الجاد والموضوعي وتكوين صورة ذهنية سليمة وصحية عن شعوبنا الأفريقية وعن أي شيء في الحياة ككل وإلا ستكون عواقب الانسياق وخيمة.

 

"القرد الذي لا ينظر إلى مؤخرته يسخر من القردة الآخرين"‘‘ مثل إثيوبي  

"هل تساءل أحد يوماً ما هي صورة المصري في الإعلام السوداني أو الصومالي أو الإثيوبي علي سبيل المثال؟".

هل تساءل أحد يوماً ما هو شعور الصومالي أو السوداني أو أي أفريقي من نظرة السخرية والعنصرية في الإعلام والشارع المصري؟

دار نقاش بيني وبين صديقي المدون الصومالي محمد الزيلعي قال لي فيه: الآن الشاب السوداني والصومالي تم زراعة كراهية فيه.

معظم الشعب الصومالي مغلوب على أمره ولا يعرف شيء عن الإعلام المصري، لكن الطبقة الصومالية المثقفة بدأت تنقل الكلام لها، وهناك حراك ضد مصر الآن بين أوساط المثقفين، والسبب إعلام الكراهية ضدنا. تخيل الآن هناك رغبة شبابية في ترجمة ما يقوله الإعلام المصري لجيل الغربة الصومالي في المنافي الأوربية والعائد لتولي المناصب القيادية في الصومال. دائما كان لدينا تيار عروبي لكنه بدأ يلفظ أنفاسه بسبب الإعلام العربي الذي لا يرى شيئا فينا بل والأبعد من ذلك فأن كثير من الصوماليين والسودانيين توحدوا لتأييد سد النهضة نكاية في مصر ليس إلا ....... انتهي.

"إن عبثا هينا بكلمة إعلام يحولها ببساطة إلى إعدام". - أحمد مطر

نطرة عابرة للمواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت سترى ردود أفعال السودانيين والصوماليين وآرائهم عن تلك الصورة الحمقاء التي تشحن عقول ونفوس الجميع ضد بعضه. فمن موقع "صومالي تايمز" ستجد مقالات بعنوان (الإعلام المصري والصومال). (الصومال ينشد السلام للدول التي تهرول نحو الانهيار). وأخيرًا وليس آخرًا مقالا حقق أعلى عدد قراءات وهو (صورة الصومالي في مخيلة الإعلام المصري)، الذي استشهد فيه المدون والمؤرخ الصومالي محمد ضاهر الزيلعي بسخافات الإعلاميين المصريين ضد كل ما هو صومالي او أفريقي أو أسمر ومن أبرز ما قاله:

هذه النظرة الاستعلائية هي نظرتهم - نفسها - تجاه الشعوب السمراء، ومن يتابع أفلامهم سيرى الفرعونية الكامنة في الإعلام المصري حين يتعلق الأمر بموسى الأسمر! إن صورة الصومالي في مخيلة الإعلام المصري تحتاج إلى أسئلة عاجلة، وتفكيك علاجي لما وراء هذا الخطاب الموغل بالتنميط والازدراء.

ومن مدونة الجزيرة تابعت مقالا آخر لمدون سوداني يدعي وائل علي عنوانه (الإعلام المصري الذي جعل الناس تشجع الكاميرون) من أهم ما قاله:

الإعلام المصري يصر أن يروج أن السودان بلد عديم القيمة وفقير وشعبه جاهل ومليء بالمجاعات، وأن السودانيين هم مجموعة من البوابين عديمي القيمة، ولذلك فقد اصطف السودانيين خلف الكاميرون، وتمنوا لها النصر أملا أن يشاهدوا الضيق والاكفهرار في وجوه سدنة الإعلام المصري.

 

أعبر النهر قبل أن تبدأ في التهكم على التمساح .... مثل كونغولي

 

في النهاية هذه المقتطفات تبين بعض تداعيات إعلام الكراهية، وتأجيج الصراعات من منهج إعلام البسوس في فن تهييج النفوس، والملتزم به الإعلاميين والتي ستنقلب في النهاية حتما علي صانعيها، أن لم يتم التوقف عنها وإلا ستطال الجميع بلا تفريق.

 

التعليقات