مصطفى رحمة يكتب: الأسماء ودلالاتها

 

للأسماء عند المصريين دلالات، يطلقونها على مواليدهم، وكأن صاحب الأسم له في الحياة منها نصيب، بمعنى أن يكون كريم كريماً وممكن أن يكون بخيلا كسلوك، فقد أسرّ لي شخص أعرفه أنه أطلق على مولودته  ساجدة (من السجود) وهو اسمه سيف الإسلام، مما أثار حفيظتي. ومن الملاحظ في العقود الأخيرة استحضار وإلصاق أسماء من صاحبوا الرسول على مواليدهم، وكأنها رغبة في حضور كلي للإسلام ذاته. وبالرغم من مرافقته لهم بداية برفع الآذان قُرب الأُذن اليمنى للمولود وحتى الممات، فألزمهم أن يتعبدوا أغلب الوقت، ولم تغير الصلوات من أمرهم حيث الغياب الأخلاقي والسلوكي لأغلب الناس (صورة مرتشي الملايين وهو بملابس الإحرام نموذجاً). وتظل الأغلبية تأخذ من الإسلام القشور دون اللباب، وهذه ظاهرة نلحظها جميعاً ، ناهيك عن الصلاة خمس مرّات والتي تفوق أوقات العمل، والله لم يقل بهذا. فقد رأيت البعض يتحين وقت الصلاة ليقتطع وقتاً في الوضوء والصلاة من عمله، كالذي جاءني وقد أطلق لحية ولديه زبيبة تعتلي جبهته، لتصليح الثلاجة من عطب طالباً 550 نعم خمسمائة وخمسون جنيها، ولأمر ما صرفته، دلني بعدها صديق على شخص آخر الذي أصلحها بالفعل في مقابل خمسون جنيها، نعم 50 جنيه ، وألحق بها قطعة غيار؟؟

وبالرغم من إن المصريين هم أقرب المجتمعات للدين منذ فجر التاريخ ، بدأً بالعقائد الدينية الفرعونية وحتى دخولهم في المسيحية ، وبعدها بعقود جاء بن العاص ليتحول أغلب المصريون للإسلام ، وتغيرت ثقافتهم بالضرورة، فبعدما كانت الأسماء المحببه لدى المصريون موزعة على الأنبياء، الرسول مُحمد نال الحظ الأوفر فأخذا عنه اسمه الكريم محمد واحمد التي جاءت كبشارة لنبوته ، كذلك طه ويس، وأسماء آخرى نالت حظا قليل كأبا القاسم والمقفى وقثم والمزمل والمدثر، وغيرهما كثير (طالع جوجل) دونما سبب، بل أفتى من ذهبت بعقولهم الأساطير بأن الأسم محمد لم يكن له وجود قبل ولادة الرسول. وهذا غير صحيح، فالاسم كان موجودا قبلها، في الزمن الذي وصفه بعض المؤرخين،  وقالوا عنه جاهلي وهو ليس بالجاهلي، كذلك استحضر المصريون أسماء بعض زوجاته كعائشة وخديجة وحفصه كذلك بناته زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، تغيرت الأسماء (أسماء المواليد) بأسماء الصف الثاني ايضاً من الصحابة ، فأصبح هناك بلال ومُعاذ ومالك وحارث وسفيان والبراء وحذيفة بالإضافة إلى معاوية ويزيد ، كذلك مواليد البنات واللاتي أصبحن بأسماء صحابيات وزوجات الرسول، لدرجة إنني اكتشفت عدة مواقع على جوجل موجهة للمسلمين الذين يبحثون عن أسماء لمواليدهم من ذكور وإناث ليختاروا من بين الصحابيات والصحابة؟؟؟

مؤخراً أصبح للصحابة جميعهم حظا وافرا كما قلت بعدما تغير المصريون وهبت رياح السموم من الجزيرة آخذة معها مزاج المصريين العاشق للحياة بكل مسرّاتها، ومن دون معرفة من أغلب المصريين بحياة الصحابة اطلقوا أسمائهم على اغلب مواليدهم من إناث وذكور منذ سنوات طوال، وهذا ليس بمستغرب فهي أسماء لا شك جميلة، أما الظاهرة المُلفته التي صاحبت المُتغير الحادث في مصر، والتي غيرت مسار حداثة كنا نرجوها نتاج ليبرالية أُسس لها بداية من القرن الفائت ، جعلت من مصر بلداً يستحب العيش فيه، مما كان لتأثير ذلك كبيراً على بلاد العربان، فأوغر في صدورهم فلم ترق لهم (أُم الدنيا) فحل بها ماحل نتيجة للمتغير السياسي والاجتماعي الذي أراده لها السادات ، فتغيرت مصر بداية من سبعينيات القرن المنصرم. ووقر في عقل شعبها إن ماحل بها من هزيمة ( 67 ) لهو غضب من الله ، فعاقبنا أنفسنا بترّهات كظهور العذراء على كنيسة بضاحية الزيتون ، كذلك إعطاء الأزهر الحق في رقابة عقل المصريين، بعدما كانت تلهج بفكر مستحق متحرر ليخوض أصحاب الأدمغة الكبيرة بصناعة السينما والتأليف الأدبي والموسيقي والمسرح والشعر وغيرهما كثير. وبحسب نقاد الفن السينمائي ، كنا على قدم والسينما الأمريكية حتى السيتينيات ، وبعبقرية فذة طرح عباقرة التأليف والإخراج السينمائي أفلاماً لم يلتفت لمثلها مؤلفي ومخرجي الأفلام هناك ، كالفيلم المُعجزة الآنسة حنفي، ولم يصنعوا مثيلاً له إلا بعد عقود بفيلم Junior العام 94، ومما وقفت عنده الأسماء الموزعة على أغلب أبطال الأفلام التي صُنعت بأربعينيات القرن المنصرم ، حيث لا دليل على هوية دينية يستدل بها عليهم ، كوحيد الفونس ودهب ومنير وشاكر وحمام وسامي. قد يكون مجتمع مصر الكوزموبولتي والتوزيع لبلاد الشام جعل المنتجين يصنعون أفلامهم من دون تمييز إلا بالأفلام التي تحكي قصة الإسلام والمسلمين، أو أفلام كان للديانات الثلاث حضور واضح بحسب سياق الحدوته ، ولا أدل على ذلك سوى كم كانت القاهرة العاصمة التي طالما حلم كثيرون بالحج إليها حيث مظاهر الحضارة تشرق كل يوم بجديد ، وكان الفن هو الحصان الرابح الذي مافتئ يؤثر في جمهورالبلاد العربية ، ويثير اندهاشهم

وانتهت تلك المرحلة فعرفنا زيا إسلاميا ولباس بحر إسلامي وتنويعات على عدة موديلات لا ذوق لها ولا شكل حيث القبح طال كل شئ. ومعروف عند المصريين أن ملابسهم لا تحمل هوية ، بداية بالخمار وانتهاء بالنقاب ، ومما يدعوا للتأمل أصبحت ظاهرة عربية بامتياز ، بعدما رأيت شواطئ الأطلسي الجميلة لا تختلف عن أغلب شواطئنا في مصر، حيث يلجون المياه بملابسهم ، التي هي افدح من لباس البحر، خاصه عندما تلتصق بأجسادهن حسبما رأيت

ولأنني غير معني بسرد تاريخ بعض من كانوا بصحبة الرسول ، حيث البعض منهم أبان عن وجه مغاير تماماً لما كان عليه وقت كان في صحبة النبي ، وأختلفت أمورهم تماماً بعد وفاته ، آخذين مسارات آخرى لا حضور فيها لما أوصى به الرسول. حيث البعض يبتغي الدنيا بمباهجها لا الدين، وإن احتاج الأمر محاربة وقتل الخصوم لا مانع طالما هناك هدف استراتيچي لتحقيق ما أوصى به السلف (حروب الجمل وصفين بمباركة الصحابة الكبار نموذجاً، والتي خلقت انقسام نحياه حتى اللحظة)  فعاشوا بالعرض، تزوجوا كثيراً، وأسرفوا بكل شئ، كنزوا الذهب وعاشوا في قصور. وحققوا الجنة على الأرض قبل أن تتحقق لهم بوعد، وعن جهل ولعلة فقر فكر وفكر فقير، ولعدم معرفة أغلب المسلمين بتاريخ الإسلام، تجدهم وقد خلعوا على بعض الصحابة التوقير والإجلال، ونزّهوهم عن كل فعل بشري ووضعوهم موضع صدق دائم، ومقامهم عندهم أقل قليلاً من الأنبياء. وذلك بحسب مانُقل للعوام من شيوخ تقليديين لا يريدون إعمال العقل فيما لاطائل منه بحسب رؤيتهم وسادتهم في الأزهر ومن يبتغي معرفة المسكوت عنه عليه مراجعة تاريخ الطبري والسيرة الحلبية وبن هشام وغيرهما.

لم يختلف الأمر عند إخواننا المسيحيين كثيراً، فبدّلوا أسماء مواليدهم بأسماء الشهداء والقديسين وجلبوهم من التاريخ أيام التنكيل والتعذيب والقتل زمن الرومان، كردة فعل على شيوع أسماء لها إسقاط على تاريخ ليس للمسيحين فيه نصيب؟ فجاء المسيحيون ب بيشوي وكُرلس وعازر وميخائيل وتاوضروس وبشرى ومايكل وايفيلين واوديت وغيرها كثير، ففي مرحلة سابقة ومن عقود كانت الأسماء تتماهى وأسماء المسلمين، مثل مجدي ومحسن ورأفت وحلمي وشاكر وسعد ، يذكر أنيس منصور في لقاء تلفزيوني أنه ود لويس عوض كانوا يتجاوران وقت تكريم بعض الكتّاب والمفكرين ، فنودي على أنيس منصور حيث تفاجأ لويس عوض بالأسم الثلاثي لأنيس، أنيس محمد منصور ، فما منه إلا وبادره لويس عوض قائلاً : أنت مسلم يابن .............. ؟ هذا زمان انتهى، عندما كانوا يتخذون من النكتة ملاذا حتى لو جاءت على المعتقد، دون غلو ودون أن تترك في قلوبهم ضغينة يردونها فيما لو توفرت الأسباب.

أما والسيدة العذراء مريم، والتي لها محبة بقلوب كل المصريين، حيث يتبرك بها مسلمون وأقباط، ولها من الألقاب التي خلعها عليها المصريون عامة الكثير من الأسماء، أشهرها عند الأقباط العدرا ( العذراء ) وأُم النور والطاهرة والبتو. لما لا وهي المذكورة في القرآن بسورة بليغة البيان فيها مؤكد يبتهج له المسيحي، ومن أسماء المسيحيين التي لا يشاركهم فيها المسلمين برغم شراكتهم دينياً بحسب الموروث في هكذا أسماء، اسحاق الإبن الثاني لإبراهيم ومينا موحد القطرين، وجبريل الملاك المذكور بخير عند المسلمين، كذلك الحواريين أصحاب المسيح ، كذلك الإسكندر ، نحن أدعى بهم أيضاً لذكرهم بخير ، كذلك أسماء نتشارك فيها بأسماء مختلفة برغم واحدية الشخص كماري جرجس الذي أصبح الخِضر لدي المسلمين ، وغيره كثيرون لو نأتي على ذكرهم لما إنتهينا من إغلاق المقال.

فقط أردت التأكيد على المتغير الذي لم نلحظه عند المصريين لإحلال أسماء مكان أسماء تدل على تدني وفقر فكر وغياب كلي لعقل مستنير  كان ينير بلدي، واستقطاب ليس له مايبرره، ذهب ولن يأتي بعدما رحل الزمن الجميل الذي شاهدت نتف منه ، لذا تجدني وجيلي في حالة غضب وحسرة وقنوط ، لطالما تمنينا أن نولد قبل ذلك ورحلنا مع الراحلين الذي أنعم الله عليهم عدم رؤية كل هذا التدني.

التعليقات