رباب كمال تكتب: محاكم التوبة

 

لا أتوقف عن التفكير في المطرب المصري عبد الحليم حافظ، وكيف فلت من محاكمة بتهمة ازدراء الأديان،  نعم فلت العندليب الأسمر من المثول أمام المحكمة بتهمة الكفر والإلحاد

  كم كان عبد الحليم  محظوظًا حين وافته المنية عام 1977 بعد صراع مرير مع المرض، وتركنا نحن لنواجه صراع مرير مع ضحالة الفكر وتصاعد نبرة  التطرف التي طالت محاكمنا المدنية.

قصيدة مرسي جميل عزيز " من غير ليه " كانت قصيدة من المفترض أن يتغنى بها عبد الحليم حافظ ويلحنها له موسيقار الأجيال  محمد عبد الوهاب، لكن  عبد الحليم رحل  وظلت القصيدة حبيسة أدراج عبد الوهاب حتى قرر أن يغنيها هو بنفسه ..

جايين الدنيا ما نعرف ليـــــــــــــه
 ولا رايحين فين ولا عايزين ايــــه

كانت تلك كلمات من القصيدة التي تغني بها الموسيقار عبد الوهاب في ثمانينيات القرن الماضي وحققت نجاحًا ساحقًا  

حينها لعب صحفي من أصحاب الهوى الإسلامي دور المحتسب ورفع قضية حسبة  في حق المطرب المصري و موسيقار الأجيال محمد  عبد الوهاب عام 1989 ( عام قبل وفاته ) ، اتهمه فيها بالكفر والإلحاد، على خلفية تعارض أبيات من الأغنية مع الشريعة الإسلامية وهي الأبيات التي تقول:  “جايين الدنيا ما نعرف ليـــــــــــــه ولا رايحين فين ولا عايزين إيــــه، ونصت الدعوى على أن تلك الأبيات ازدرت الآية القرآنية رقم 56 في سورة الذاريات “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ”، وتم الاستناد لرأي لجنة الفتوى بالأزهر الشريف، التي كان يرأسها الشيخ عبدالله المشد حينها، واعتبر في فتواه أن الأغنية بها إساءة للدين وأنها تدخل في دائرة الشرك بالله. ولنزيد الطين بلة، وأفتى الشيخ  المصري عبد الحميد كشك بأن الأغنية تحرض على الكفر، و طالب الشيخ صلاح أبو إسماعيل ( مرشح الانتخابات الرئاسية 2012 )  حينها الدولة والقضاء باستتابة محمد عبد الوهاب الذي ُأطلق عليه في مصر لقب موسيقار الأجيال، هل نتخيل أن موسيقار بحجم محمد عبد الوهاب و هو يستتاب ثم يقتل بسبب أغنية !

رفضت المحكمة الدعوى وبرأت  الموسيقار محمد عبد الوهاب من تهمة ازدراء الإسلام، ليس بسبب لا معقولية الدعوى أو سخافتها ولكن لأن ضمير المحكمة اطمئن لإيمان المدعي عليه الذي نشأ تنشئة دينية وحفظ فيها آيات من الذكر الحكيم! برأته المحكمة بعدما نطق الشهادتين ! لتتحول ساحة المحكمة في مصر إلى ساحة للاستتابة و نطق الشهادتين و محاكمات الأبيات الشعرية .

وهنا علينا أن نعي جيدًا أن وقوف موسيقار بحجم محمد عبد الوهاب في ساحة المحكمة بتهمة”الغناء”، كان رسالة من المحتسبين الجدد من التيار الإسلامي ورسالتهم الواضحة هي أنه لا يوجد قامات فنية أو فكرية أو ثقافية فوق محاكمات التكفير، والتي شهدت ساحات القضاء المصري سيلا منها على مدار الأعوام اللاحقة، وغالبا ما ارتبطت قضايا مصادرة الفن ومحاكمة المبدعين بمسميات الحفاظ على الهُوية الإسلامية والمنظومة الأخلاقية.

والسؤال الذي يراودني كلما وقف كاتب أو ملحن أو روائي في ساحات القضاء بتهمة الإلحاد و الكفرو خدش الحياء و جرح مشاعر المسلمين هو:  أي دولة مدنية تسمح لمحاكمها بأن تطلب الشهادتين على سبيل الاستتابة كوسيلة للتبرئة من اتهام يعود للعصور الوسطى ؟؟

 

التعليقات