حاتم إبراهيم سلامة يكتب: دع العجزة وامضِ في طريقك

 

تعترض الإنسان في مشوار حياته كثير من محطات اليأس والإحباط التي يضعها القدر في طريقه أو تضعها أيادي الخصوم من الحاقدين والمغرضين.. أما النفس فإنها حيال هذه الأزمات تكون بين أمرين إما أن تكون قوية فتعرف طريقها في مواجهة المحن أو ضعيفة فتكون خسارتها فادحة حينما تستسلم للفشل والانزواء والتراجع .. ولعل هذه النفس المسكينة تكون في محنتها أحوج ما تكون لمن يساندها ويدعمها ويشد من أزرها ويملأ كيانها المحطم بوقود التشجيع والتحفيز.

ولقد كان إحسان عبد القدوس واحدًا من هؤلاء الناجحون الذين ضعفوا ولانوا أمام ضربات الخصوم ونقدهم اللاذع الرخيص الذي أرادوا به تحطيم نجاحه وإيلام تفوقه ووخز قلمه ليخرج من معركة الصحافة مهزوماً مخزولاً.!

لقد صب خصوم إحسان عليه إهانات بالغة، كاد معها أن يفقد موهبته، وكادت مصر كلها أن تفقد فيها وبسببها قلماً وطنيا شريفاً طالما دافع عن حقوق أبنائها بجرأة وشجاعة .

و في فترة ما قبل عام 52 وفي نهاية عهد فاروق لحكم مصر، كان إحسان شديد الهجوم على حزب الوفد عنيف النقد لسياساته وتوجهاته وزعيمه، لأنه يمثل في نظره السلطة الحاكمة التي تشارك القصر والإنجليز في كثير من المظالم التي تقع على عبء الشعب المصري ومواطنيه الضعفاء ..كان قلم إحسان في تلك الفترة قلماً ملهبا موجعا ينفث بالحمم كما عبر هو عنه بنفسه بقوله: ( إني أكتب والقلم يطق غيظاً وينفث السطور كحمم النار) وكانت مقالاته وكتاباته تصول وتجول فيهاجم الإنجليز تارة والوفد تارة أخرى ولا ينكمش أو يخشى من التعريض بالقصر ورجاله ومفاسدهم ..!

ففي مقاله الصادر عام 4/12/1951م كتب مقالاً تحت عنوان: (الحكومة معنا أم علينا ؟) انتقد فيه النحاس باشا واتهم حكومته بالتخاذل عن نصرة الثوار في مواجهة الاحتلال البريطاني، واختتم مقالة الساخط بقوله: (أخشى أن أقول: إن الحكومة تخشى تحرك الشعب أكثر مما يخشاه الانجليز خصوصاً إذا كان شعباً مسلحاً..)

وكانت نتيجة هذا الهجوم والنقد المتكرر أو التوبيخ المستمر، أن تعرض لحملة قاسية غير شريفة، شنتها عليه صحيفة (صوت الأمة) الناطقة بلسان حال حزب الوفد كنوع من الانتقام والثأر لحزبها وزعيمه، وركزت صوت الأمة في هجومها ضده على أنه ابن ممثلة، وأنه تماماً كأمه لا يفهم في السياسة ويجب عليه أن يبتعد عنها ..!

وهنا يغضب إحسان غضباً شديداً ويحزن كثيراً من هذه الإساءة التي أهانت كرامته ونالت من كبريائه وجرحت مشاعره.. وأصابته بموجات عاتية من اليأس والإحباط قرر معها أن يعتزل الصحافة ويعمل بالمحاماه..!

وفي ظل هذا الحزن الكثيف والكآبة المدوية والإحباط المظلم.. تطل الأم المناضلة روز اليوسف بما لها من عزيمة ومضاء وهمة الأقوياء.. على ولدها المحزون تريد أن تعلمه درساً هاماً في الحياة ربما لم يقابل مثله من قبل ، لقد أحست أمه بمعاناته والمحنة التي تتألم منها نفسه ، والتي سببها له هذا الهجوم المسف المشين الخادش للإنسانية والشعور، فقدمت له مجموعة من مجلة (الكشكول) التي كان يحررها سليمان فوزي باسم الأحرار الدستوريين.. وبها شتائم وسباب شخصي موجع لأمه .. فلما قرأ إحسان اعتلته دهشة كبيرة لأن هذا الهجاء الذي قوبلت به أمه كان حقيرا عفنا رخيصاً إلى درجة كبيرة.! وهنا وبين ثنايا هذه الدهشة ابتسمت لولدها وقالت له:

من الذي بقي يا ولدي ..الكشكول أم روز اليوسف..؟!

يا بني إذا شتمك خصمك في الرأي فاستبشر خيراً فهذا دليل عجزه ..

وإذا كنت قوياً فدع العجزة وامض في طريقك..!

 

loading...
التعليقات