هبة يونس تكتب: الجسد وقداسة الموت

"من فوق جبل القوة وفي بهاء التضحية.. يحدث البعث".         

هذا هو مسار رحلة وكفاح كلا من "مالأخ" و"غريزباخ" في معرفة سر الوجود.

"مالأخ" في رواية "الرمز المفقود" لـ"دان براون": هو المراهق الثري الذي اصطدم بقسوة أبيه وتخليه عنه فقرر أن يحول ذاته، قرر أن يصبح أقوى وأعظم مستعينا بقوى مظلمة لطقوس شيطانية وسحرية مستخدما جسده كمركبة للترقي بتطويره وتقويته بتعاويذ وهرمونات ومنشطات نمو.

أما "غريزيباخ" هو تلميذ العالم باركنسوس في قصة لويس بورخيس: وردة باركنسوس، الشاب الذي ترك العالم ورائه وجاء مضحيا بكل ذهبه من أجل امتلاك سر الوجود.

"مالأخ" و"غريزيباخ" كافحا من أجل امتلاك سر الوجود وكلاهما يجسدان ثنائية التضاد لـ الابن/ التلميذ/ الفتى من ناحية والأب/ المعلم/ الكهل المتهالك من ناحية أخرى الذي يمثل بدوره الثنائية الأعم للعالم القائم وهي: "الإله/ الإنسان"..

تجلل البوذية الجسد في تعبير "جسدك هو معبدك المقدس"، ويعليه مثل مصري قديم ليكون "الجسد معبد المعرفة". كان الجسد هو المكون الأول في كفاح رحلتي "مالأخ" ذو الجسد المفتول العضلات و"غريزيباخ" الشاب الفتي القوي، ومكون رحلتهما الثانِ كان الكلمة، فـ كعادة الثقافات القديمة والديانات حتى المعاصر منها في امتلاك كلمة سحرية هي التي تحدث التأثير الغرائبي: مثل آس_يه في السواحلية أو So be it أو كن فيكون في الإسلام كان بحث البطلين هو عن الكلمة السر/ المفتاح التي بلفظها أو رسمها كرمز أو كتابتها أو مجرد قرائتها كفيلة بحدوث التبدل أو التحول أو الخلق و البعث.

"للكلمة قدرة على منح قوة عظيمة لكل من يفهم معناها الحقيقي" (الرمز المفقود -  ص407)

"أنا أتكلم عن الآداة التي استخدمت في خلق السماء والأرض والجنة غير المرئية التي نحن فيها.. أنا اتكلم عن الكلمة" (وردة باركنسوس - ص 57)

وبالأساس الأنثروبولوجي؛ للكلمة السحرية احتمالات نشأة متعددة فربما كانت خيال بدائي تمنى الخلاص في لفظة أو هي طقوس سحرية ماورائية أو ربما هي كلمات سليمة وصلت لنا مشوهة فاعتقدناها ذات أسرار، الاحتمالات متعددة لكن المؤكد هنا هو وضوح المبدأ، وهو مبدأ تقديس عملية الخلق أو البعث بذاتها وليس تقديس خالق بعينه، فوجود كلمة سحرية أو طقس خلقي يعني انه باتباع خطواته كإتباع روشتة إعدادات الهاتف؛ سيؤدي بمن ينفذها للنتيجة المطلوبة؛ وهنا يتقدس الفعل أو عملية الخلق نفسها ويغيب الخالق أو المقدس تماما من المشهد ليصبح مبنيا للمجهول.

ثالث مكون في الخلق/ البعث هو الدم أو الأضحية والتضحية هي تقديم الحركة وذبحها على طاولة مبجل ما أو مبدأ ما فالكائن الذي يذبح للتضحية يقدم حيويته أو صيرورته/دمه قربانا لثابتٍ معنويٍ.

"يكمن السر في كيفية الموت-  الرمز المفقود ص14"، "غريزيباخ" ألقى بالوردة في النار حارقا اياها حتى صارت رمادا مضحيا بها من أجل التحول/الخلق/البعث؛ و"مالأخ" قدم جسده القوي المزان بعشرات الأوشام السحرية للذبح بسكين نيزكي أثري حتى يسيل دمه على المذبح وهو يخط كلمة الوجود في سبيل التحول أو البعث لكائن كامل.

لكن نهايتي البطلين اختلفتا، فبيما وصل "غريزيباخ" بقلبه الرحيم لتعلم درس الوجود وهو: "تحت القناع لم يكن هناك أحدا" (وردة باكنسوس- ص58)، "إنه قام بإكتشافٍ مدنسٍ لهذا المقدس" (وردة باكنسوس- ص58) أي لا قدسية في الناسك- العالم ولا كلمات سحرية تحمل السر ولا يوجد شيء إلا رحمة القلب والتضحية من أجل الذات وبالنهاية استعاد التلميذ ذهبه وذاته وكرامته التي تواضع بها للعالم.

أما "مالأخ" بقلب مفعم بالظلمة والانتقام من أبيه، مبتغيا رضا سيده الشيطاني إله الظلام لم يرى فلم يفهم الدرس وقدم تضحيته لغير ذاته، قدم تضحيته لآخر مقدس غير نفسه وهو عنده الشيطان.

وكما تعد البوذية بالنرفانا أو السلام المطلق لمن خلص نفسه بنفسه، من كان مخلص ذاته.. كانت الراحة والبعث من نصيب "غريزيباخ"؛ كما أقره باركنسوس حينما حمل رماد الوردة بين يديه: "الوردة بُعثت".

 

التعليقات