أحمد عبد العليم يكتب: الوطن.. تساؤلات في زمن الأزمة

يرى "صمويل هتنجتون" أن مجتمعات الدول (الأعضاء بالجامعة العربية) تنقصها الثقة المجتمعية، وتتسم ثقافتها السياسية بالشك والغيرة، والعدائية المستترة أو السافرة حيال أي شخص ليس من أفراد الأسرة الممتدة، القبيلة أو القرية، وتُغرس هذه القيم في الأطفال منذ وقت مبكر. وهي مجتمعات لا تمتلك وصفة جاهزة للانتقال إلى مرحلة المواطنة... ولكن المؤكد في كل هذا أن المجتمعات ذات الهوية الضعيفة تفشل في بناء (الدولة).

وفي بعض البلدان يُنظر إلى (الحاكم) باعتباره تجسيدًا للبلد، وتتحول عاطفة الوطنية إلى حماسة ولاء في أحسن الحالات، يغتر الرعية بانتصارات مليكهم، ويفتخرون بسلطته عليهم، ويعدونها مجدهم. هكذا كان الفرنسيون، يعتقدون أنهم أحرار -علمًا أنهم لا يملكون السلطة الاعتباطية لملوكهم- ويشعرون بنوع من الغبطة وهم يرددون: "نحن نعيش تحت ظل الملك الأقوى في العالم". وقدرة هذا النوع من الوطنية على تحفيز الجهود عابرة وغير مستمرة، قد يستطيعون إنقاذ البلاد في بعض الظروفٍ الحرجة ولكنهم يسمحون لها بالانحطاط في معظم الأوقات.

وهذا الحديث يدفعنا إلى التساؤل حول مفهوم الوطن والهوية، وما يرتبط بهما من مفاهيم تكاد أن تصبح مسلمات لا يمكن طرح التساؤلات حولها، ومصادرات لا يمكن مناقشتها...هل يمكن لنا أن نتساءل ما الوطن؟! ما الذي يدفع شخصا ما أن يطلق على منطقة ما (وطنا)؟! ما الذي يجعل لكلمات مثل (الانتماء) و(حب الوطن) و(التضحية) من أجل الوطن، (الحنين) للوطن، و(الوطنية)...إلخ. كلمات مفهومة بذاتها، ولا تحتاج إلى إيضاح وشرح؟! ما الوطن؟! سؤال غير عابر، يلح علينا عندما نشعر في لحظة ما بأزمة (الاغتراب). عندما تدخلك تجاربك معه في أزمة وجودية، مثلما يشعر ذلك الشخص الذي يقسو عليه الأب/الأم، فيتساءل هل الأبوة /الأمومة مسألة ميلاد بيولوجي...ففي العادة لا تكون هذه الأمور مناط اختياراتنا.

عندما نذهب بعيدا ويغمرنا الحنين إلى الوطن ما الذي نتذكره حقا؛ الأرض، البيوت، الطرق، البشر. يقول "رفاعة الطهطاوي" في حديثه عن  الوطن "عش الإنسان الذي فيه درج، ومنه خرج، ومجمع أسرته، ومقطع سرته، وهو البلد الذي نشّأّته تربتُه وغذاؤه وهواؤه، وربّاه نسيمُه، وحلت عنه التمائمُ فيه".

فهل الوطن يعبر عن انفعال وجداني يسيطر على مشاعرنا مثل شعور غريزي مجهول غير قابل للتعريف، يربط الإنسان عاطفيًا بمسقط رأسه، أم حدث يمكنك الإمساك بتلابيبه والتعرف على عناصره. هو أجزاء صغيرة مبعثرة في أنحاء الذاكرة تتجمع عنوة عندما نغادره، أو تشحذ قواك وتعد نفسك للتضحية بكل ما تملك عندما يقع في محنة، أم مجموعة من العطاءات التي يمنحها لك وتأسرك بفضلها وترغمك على ردها وقت الشدائد. منطقة ولدنا ونشأنا فيها، أم بشر كبرنا بينهم راعونا وأحببناهم، مساحة من الأرض والحدود المصطنعة، أم ثقافة ولغة وتاريخ يشكلون ذواتنا.

يرتبط مفهوم (الوطن) بمفهومين آخرين أكثر التباسا هما (الوطنية) و(الهوية). والوطنية هي التعلق العاطفي بأُمة (يعترف) بها الفرد وطنا، والوطني (حسب هذا التعريف) هو من يحب بلاده، ويدعم (سلطتها) ويصون مصالحها، كما يزعم بعض المنظرون، ويمكن النظر إلى هذا الارتباط من خلال العلامات المميزة للأمة والتي قد تشمل جوانب إثنية، وثقافية، سياسية وتاريخية. بينما تعبر الهوية عن تعريف أو تفسير للذات يُحدد موقع وماهية الفرد من الناحيتين الاجتماعية والفردية، وتظهر ضمن نظام من العلاقات الاجتماعية، ومعاييرها المفاهيمية هي الاستمرار عبر الزمن، والتمايز عن الآخر.

تنبع هذه الاستمرارية من إدراك تجذر الأمة تاريخياً في ظل تَصَوراتٍ واضحة حول المستقبل، يستوعب الأفراد هذه الاستمرارية من خلال مجموعة من التجارب الزمنية التي يفهمونها بشكلٍ موحد. أما التمايز فهو وعي بتَشكل مجتمع متميز ذا ثقافة، وتقاليد، ولغة، ومساحة من الأرض تتشكل عبر التاريخ والجغرافيا.

 

loading...
التعليقات